حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 366
المراد من المؤمنين المشارفون للإيمان أو المصدقون باللسان.
فَإِنْ عَصَوْكَ ولم يتبعوك فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) مما تعملونه أو من أعمالكم.
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الذي يقدر على قهر أعدائه ونصر أوليائه يكفك شر من يعصيك منهم ومن غيرهم. وقرأ نافع وابن عامر «فتوكل» على الإبدال من جواب الشرط.
الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (218) إلى التهجد وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) وترددك في تصفح أحوال المتهجدين، كما روي أنه لما نسخ فرض قيام الليل طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون حرصا على كثرة طاعاتهم فوجدها كبيوت الزنابير لما سمع بها من دندنتهم بذكر اللّه وتلاوة القرآن. أو تصرفك فيما بين المصلين بالقيام والركوع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التبيينية يجب أن يكون ما قبلها أعم من مدخولها حتى يتحقق فيه الإبهام والاحتياج إلى البيان، ولم يظهر كون «من اتبعك» أعم «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» من حيث إنه لا يحتمل غير المؤمنين بل هما متحدان في الوجود ومتلازمان في المفهوم فلا وجه للبيان ظاهرا، إلا أن المتبعين أعم من نفس الأمر من المؤمنين لأنه يتناول من اتبعه عليه الصلاة والسّلام في أمر الدين وغيره بخلاف المؤمنين فإنه لا يتناول إلا من اتبعه في أمر الدين. وبهذا الاعتبار صح أن تكون كلمة «من» للتبيين لا للتبعيض لأن مدخول «من» التبعيضية أعم مما قبلها على عكس «من» البيانية، ولما جعل «من اتبعك» أعم «من المؤمنين» امتنع أن تكون «من» تبعيضية وإنما تكون كذلك أن لو أريد «بمن اتبعك» المتبعون في أمر الدين ظاهرا وباطنا وبالمؤمنين ما هو أعم من ذلك بأن يراد بهم الذين شارفوا الإيمان وكانوا بصدده، وسماهم اللّه مؤمنين باعتبار ما يؤول إليه أمرهم والمتبعون حقيقة بعض منهم، فيصح أن تكون «من» للتبعيض بهذا الاعتبار كأنه قيل: واخفض جناحك لبعض المؤمنين وهم الذين اتبعوك حقيقة، أو يراد بهم الذين صدقوا باللسان فإنه أيضا أعم من الذين اتبعوا حقيقة. قوله: (وقرأ نافع وابن عامر فتوكل) أي بالفاء بأن جعلا ما بعد الفاء كالجزاء لقوله: فَإِنْ عَصَوْكَ مرتبا عليه وجعلاه بدلا من الجزاء المتقدم. وقرأ الباقون بالواو وجعلوه لمجرد عطف الجملة على جملة أخرى من غير ملاحظة السببية والترتيب. ووصف اللّه تعالى نفسه بالعزيز ليدل على أنه يقدر على قهر أعداء رسوله بعزته، وبالرحيم ليدل على أنه يقدر على نصره عليهم وإعلاء كلمته برحمته وقوله: الَّذِي يَراكَ يجوز أن يكون مرفوع المحل على أنه خبر مبتدأ محذوف، وأن يكون منصوب المحل على المدح ومجرور المحل على أنه صفة أو بدل أو بيان.
قوله: (وتقلبك) عطف على مفعول «يراك» أي ويرى تقلبك. لما وصف اللّه تعالى نفسه بالرحمة ليؤذن رسوله عليه الصلاة والسّلام بأنه بار رحيم عليه اتبعه ما هو كالسبب لتلك الرحمة وهو قيامه إلى التهجد في جوف الليل وتقلبه في تصفح أحوال أهل التهجد