حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 373
قيل: وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات هم الموقنون بالآخرة، فإن تحمل المشاق إنما يكون لخوف العاقبة والوثوق على المحاسبة. وتكرير الضمير للاختصاص.
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ زين لهم أعمالهم القبيحة بأن جعلها مشتهاة للطبع محبوبة للنفس، أو الأعمال الحسنة التي وجب عليهم أن يعملوها بترتيب المثوبات عليها. فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) عنها لا يدركون ما يتبعها من ضر أو نفع.
أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ كالقتل والأسر يوم بدر وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) أشد الناس خسرانا لفوت المثوبة واستحقاق العقوبة
وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ جملة مستأنفة غير داخلة في حيز الموصول وتتم الصلة عند قوله: وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وجعلها معترضة نظرا إلى اتصال ما بعدها بما قبلها من حيث إن ما قبلها لبيان ما للمؤمنين من البشرى بحسن العاقبة وما بعدها لبيان ما للكفار من سوء العذاب يوم القيامة. ويحتمل أن يكون جعلها معترضة بناء على مذهب من يجوّز وقوع الاعتراض في آخر الكلام بأن لا يلي الجملة المعترضة جملة أصلا أو يليها جملة غير متصلة بها معنى.
ووجه اتصال هذه الجملة بما قبلها أنها تؤكد مضمون قوله: لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ من حيث إن الإيقان بالآخرة حق الإيقان المستلزم الخوف يستلزم تحمل المشاق والمتاعب حذرا من نيل ما يخاف منه، فمضمون قوله: وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ يؤكد مضمون ما قبله من حيث كون مضمونه مستلزما لمضمون ما قبله فصح كونه اعتراضا وقوله: «كأنه قيل: وهؤلاء الذين يؤمنون» إشارة إلى أن الضمير الأول وضع موضع اسم الإشارة من حيث إن اسم الإشارة يدل على أن المذكور قبله أحقاء لما يرد بعده من أجل الخصائل التي عددت لهم كما في قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: 3] إلى قوله:
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: 5] فكذا ههنا فإن المعنى أحقاء بأن يوقنوا بالآخرة من أجل كونهم جامعين لمشاق التكليف من الإيمان والأعمال الصالحة. قوله: (زين لهم أعمالهم القبيحة بأن جعلها مشتهاة للطبع) وإسناد تزيينها إليه تعالى بهذا الوجه لا ينافي إسناده إلى الشيطان في قوله تعالى: فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ [النحل: 63] فإنه زينها لهم بأن دعاهم إلى ما تشتهيه طباعهم وتميل إليه نفوسهم. قوله: (ما يتبعها من ضر) على تقدير أن يكون المزين أعمالهم القبيحة وقوله: «أو نفع» على تقدير أن يكون المزين أعمالهم الحسنة فهو من قبيل اللف والنشر المرتب والعمه التحير والتردد كما يكون حال الضلال عن الطريق.
وعن بعض الأعراب أنه دخل السوق وما أبصرها قط فقال: رأيت الناس عمهين أراد أنهم مترددون في أعمالهم وأشغالهم. قوله: (كالقتل والأسر يوم بدر) حمل سوء العذاب على عذاب الدنيا لعطف قوله: وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ على قوله: أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ