حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 376
في كل من في تلك البقعة وحواليها من أرض الشأم الموسومة بالبركات لكونها مبعث الأنبياء وكفاتهم أحياء وأمواتا، وخصوصا تلك البقعة التي كلم اللّه فيها موسى. وقيل:
المراد موسى والملائكة الحاضرون. وتصدير الخطاب بذلك بشارة بأنه قد قضى له أمر عظيم ينتشر بركته في أقطار الشأم.
وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (8) من تمام ما نودي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشأن وبورك «خبرها» . ولما ورد أن يقال: كيف جاز أن تكون مخففة؟ وهي إذا دخلت على الفعل وكان ذلك الفعل من الأفعال المتصرفة، وجب أن تفصل المخففة من الفعل بحرف من حروف التعويض وهي السين نحو: علم أن سيقوم وسوف نحو: أن سوف يقوم و «قد» نحو: ليعلم أن قد أبلغوا، أو من حروف النفي نحو: علمت أن لم يقم وأن لن يقوم وأن لا يقوم وما قام وما يقوم فرقا بينها وبين «أن» المصدرية فإن «أن» المصدرية لا يفصل بينها وبين الفعل بشيء من الحروف المذكورة لكونها مع الفعل بتأويل المصدر، معنى فلا يفصل بينها وبين ما يؤثر فيها لضعفها وتسمي النحاة هذه الحروف التي بعد «أن» المخففة بحروف التعويض لكونها كالعوض عن إحدى نوني «أن» . ولما وردت هذه الشبهة أجاب عنها يقوله:
«والتخفيف وإن اقتضى التعويض» ومنع صاحب الكشاف كونها مخففة بناء على انتفاء حرف التعويض وهذا منه مبني على أن «بورك» خبر لا دعاء فإنه إذا قلنا إنه دعاء لم يحتج إلى الفاصل ومَنْ فِي النَّارِ قائم مقام الفاعل «لبورك» فإن بارك يتعدى بنفسه ولذلك بنى للمفعول، يقال: باركك اللّه ويقال أيضا: بارك اللّه عليك وبارك فيك وبارك لك، فقولنا:
بورك من في النار وعلى من في النار وفيمن في النار سواء. قال الشاعر:
فبوركت مولودا وبوركت ناشئا ... وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب
ومعنى بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها بورك من في مكان النار ومن حول مكانها.
والذي بوركت به البقعة وبورك من فيها وحواليها حدوث أمر ديني فيها وهو تكليم اللّه تعالى موسى عليه الصلاة والسّلام وتخصيصه بالرسالة والإكرام وإظهار المعجزات العظام له فيها.
ورب خير يحدث في تلك البقاع فينشر اللّه تعالى بركته في أقاصيها فكيف يمثل ذلك الأمر الذي جرى في تلك البقعة؟ قوله: (الموسومة بالبركات) في قوله تعالى: وَنَجَّيْناهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: 71] فإن قوله: «للعالمين» دليل ظاهر على أن الذي بورك فيه عام. والكفات ما يكفت فيه الشيء أي يضم ويجمع. وفي الحديث: «اكفتوا صبيانكم بالليل فإن للشيطان خطفة» ومنه قوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتًا أَحْياءً وَأَمْواتًا [المرسلات: 25، 26] . قوله: (من تمام ما نودي به) يعني أنه عليه الصلاة والسّلام نودي بمجموع الأمرين. ناداه وخاطبه أولا بقوله: بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ بشارة له بأنه قد قضى له أمر عظيم، ثم ناداه بتنزيه رب العزة عما لا يليق به في ذاته وحكمته لئلا يتوهم من سماع