فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 389
تأويل القبيلة أو البلدة بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) بخبر محقق. روي أنه عليه السّلام لما أتم بناء بيت المقدس تجهز للحج فوافى الحرم وأقام بها ما شاء، ثم توجه إلى اليمن فخرج من مكة صباحا فوافى صنعاء ظهيرة فأعجبته نزاهة أرضها فنزل بها ثم لم يجد الماء وكان الهدهد رائده لأنه يحسن طلب الماء فتفقده لذلك فلم يجده، إذ حلق حين نزل سليمان فرأى هدهدا واقفا فانحط إليه فتواصفا فطار معه لينظر ما وصف له، ثم رجع بعد العصر وحكى ما حكى. ولعل في عجائب قدرة اللّه وما خص به خاصة عباده أشياء أعظم من ذلك يستكبرها من يعرفها ويستنكرها من ينكرها.
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ يعني بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن الريان. والضمير في «تَمْلِكُهُمْ» لسبأ أو لأهلها. وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الملوك وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) عظمه بالنسبة إليها أو إلى عروش أمثالها. وقيل: كان ثلاثين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكان الهدهد رائده) أي طالبا يطلب له الماء يقال: راد الكلأ يروده رودا وريادة أي طلبه فهو رائد. وكان الهدهد قنقن سليمان وهو الدليل الهادي البصير بالماء تحت الأرض وكيفية حفر القنى، وكذلك القناقن بالضم والجمع القناقن بالفتح، وكان الهدهد يرى الماء تحت الأرض كما يرى الماء في الزجاجة، ويعرف الفصل وبين قريبه وبعيده فيدلهم على موضع الماء بأن ينقره بمنقاره، ثم الشياطين يسلخون عنه الأرض كما يسلخ الإهاب عن المذبوح. ذكر أن ابن عباس رضي اللّه عنه لما قال: إن سليمان طلبه لأنه كان يعلم مسقاة الماء ويبصره تحت الأرض قيل له: إن الصبي يضع له الفخ فيغطيه بالتراب فكيف لا يعرفه حتى يقع فيه؟ فقال: ويحك أما علمت أن القدر يحول دون البصر وأنه إذا جاء القضاء عمي البصر. قوله: (فوافى الحرم) أي أتاه. قوله: (إذ حلق) علة لقوله: «لم يجده» وتحليق الطائر ارتفاعه في طيرانه.
قوله: (فتواصفا) أي وصف كل واحد من الهدهدين ملك صاحبه: وصف هدهد سليمان للآخر ملك سليمان وما يتخوله من كل شيء، ووصف هدهد بلقيس ملك بلقيس وأن تحت يدها اثني عشر ألف قائد تحت يد كل قائد مائة. قوله: (والضمير في تملكهم لسبأ) يعني ضمير «تملكهم» «لسبأ» إن أريد به القبيلة أو «لأهلها» إن أريد بها البلدة بإضمار أهلها أو بطريق الاستخدام حيث أريد بالاسم الظاهر أحد معنييه وبضميره معناه الآخر. قوله:
(وأوتيت من كل شيء يحتاج إليه الملوك) حمل كل شيء في حق بلقيس على أسباب الدنيا ولوازم الملوك لئلا يلزم التسوية بينها وبين سليمان عليه الصلاة والسّلام، فإن المراد بقوله عليه الصلاة والسّلام: وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل: 16] ما أوتي من النبوة والعلم والحكمة والملك وأسباب الدنيا. قوله: (عظمه بالنسبة إليها أو إلى عروش أمثالها) جواب عما يقال: