فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 394
الوجازة مع كمال الدلالة على المقصود لاشتماله على البسملة الدالة على ذات الصانع وصفاته صريحا أو التزاما، والنهي عن الترفع الذي هو أم الرذائل، والأمر بالإسلام والجامع لأمهات الفضائل وليس الأمر فيه بالانقياد قبل إقامة الحجة على رسالته حتى يكون استدعاء للتقليد. فإن إلقاء الكتاب إليها على تلك الحالة من أعظم الأدلة.
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أجيبوني في أمري الفتى واذكروا ما تستصوبون فيه. ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْرًا ما أبت أمرا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) إلا بمحضركم استعطفتهم بذلك ليمالئوها على الإجابة.
قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ بالأجساد والعدد. وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ نجدة وشجاعة وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ موكول فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ (33) من المقاتلة والصلح نطعك ونتبع رأيك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تَعْلُوا عَلَيَ ولا تتكبروا وإن كانت مصدرية تكون مع صلتها في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو على أنه بدل من كتاب كأنه قيل: ألقي إليّ أن لا تعلوا.
قوله: (مع كمال الدلالة على المقصود) وهو الدعوة إلى الاستكمال بالقوة النظرية والعملية والتحلي بالفضائل العلمية والعملية والعلم مقدم على العمل، فابتدأ بقوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لاشتماله على إثبات الصانع تعالى وصفاته صريحا والتزاما. أما صريحا فظاهر، وأما التزاما فلأن ما ذكر صريحا يستلزم كونه تعالى حيا مريدا عالما قادرا. ولما ورد أن يقال: النهي عن الاستعلاء والأمر بالانقياد قبل إقامته ما يدل على رسالته حقا يدل على الاكتفاء بالتقليد والدعوة إليه. أجاب عنه بأن لا تقليد. والحال أن رسول سليمان إلى بلقيس كان الهدهد ورسالة الهدهد معجزة، والمعجزة تدل على وجود الصانع وعلى صفاته وتدل على صدق مدّعي الرسالة، فلما كانت رسالة الهدهد دليلا تاما على التوحيد والنبوة لم يحتج إلى ذكر دليل آخر. روي أن نسخة الكتاب كانت هكذا: بسم اللّه الرحمن الرحيم من عبد اللّه سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ السّلام على من اتبع الهدى. أما بعد، فلا تعلوا عليّ وائتوني مسلمين. وكانت كتب الأنبياء جملا لا يطيلون ولا يكثرون. ويجوز أن يكون الكتاب أطول من هذا القدر لكن اللّه تعالى ذكر ما هو المقصود منه وهو دعاؤها إلى التوحيد. قوله: (في أمري الفتى) أي الحادث عن قريب، والفتى الشاب والفتاة الشابة، والفتوى هي الجواب في الحادثة. والمعنى: أشيروا عليّ بما عندكم من الرأي والتدبير فيما حدث من الأمر بلفظ مشتق من الفتاء في السن وهو بلفظ الفتوى لجامع الحداثة. قوله:
(ليمالئوها) أي ليعاونوها. يقال: مالأته على الأمر ممالأة أي ساعدته عليه مساعدة وتمالؤوا على الأمر أي اجتمعوا عليه وتعاونوا. فأجابها قومها بأن ذكروا لها قوتهم وشجاعتهم تعريضا منهم بالقتال إن أمرتهم بذلك ثم قالوا: وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ أي في القتال وتركه. ولما أحست