حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 415
ووصفهم باستحكام علمهم في أمر الآخرة تهكما بهم. وقيل: أدرك بمعنى انتهى واضمحل من قولهم: أدركت الثمرة لأنها تلك غايتها التي عندها تعدم وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم «بل ادارك» بمعنى تتابع حتى استحكم أو تتابع حتى انقطع من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك. وأبو بكر «أدرك» وأصلهما تفاعل وافتعل.
وقرئ «أدرك» بهمزتين و «آأدرك» بألف بينهما و «بل أدرك» و «بل أتدارك» و «بلى أدرك» و «بلى أأدرك» و «أم أدرك» و «أم تدارك» . وما فيه استفهام صريح أو مضمن من ذلك فإنكار، وما فيه «بلى» فإثبات لشعورهم وتفسير له بالإدراك على التهكم وما بعده إضراب عن التفسير مبالغة في نفيه ودلالة على أن شعورهم بها أنهم شاكون فيها، بل إنهم منها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في بيان المناسبة بين الآيتين. ووجه الإضراب الأول أن المراد على هذا الوجه التهكم وقوله: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ هو علمهم بأنهم أَيَّانَ يُبْعَثُونَ وأن القيامة شيء يقع. وأما على الوجه الأول ففي الآية نفي أنهم لا يعلمون أن البعث كائن مع كثرة الدلائل عليه.
قوله: (وقيل أدرك بمعنى انتهى واضمحل) عطف من حيث المعنى على قوله: «بيّن أن ما انتهى وتكامل» الخ فإنه يتضمن تفسير الإدراك بالتكامل والاستحكام، وعلى هذا التفسير لا حاجة إلى تقدير المضاف. ثم فسر قراءة «ادارك» بوجهين أيضا: أحدهما تدارك وتتابع حتى استحكم وثانيهما تتابع في الهلاك حتى انقطع.
قوله: (وأبو بكر أدرك) عطف على قوله «نافع» فهذه القراءة أيضا من السبعة على رواية أبي بكر عن عاصم. ثم ذكر ثماني قراءات من الشواذ ثنتان «بأم» وثنتان أخريان «ببلى» والباقية «ببل» . وصحح الزمخشري قراءة «بل أدرك» بقوله: بالتخفيف والنقل أي بتخفيف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام، وأصله ما قرأ به ابن كثير وأبو عمرو. ثم ذكر قراءة أخرى بقوله: «بل أدرك» بفتح اللام وتشديد الدال وأصله بل أدرك على سبيل الاستفهام. انتهى كلامه. فيكون أصله «أدرك» على وزن افتعل دخل عليه همزة الاستفهام فسقطت همزة الوصل فصار أدرك بهمزة مفتوحة بعدها دال مشددة ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام فصار «بل أدرك» . ولم يذكر المصنف هذه القراءة بل ذكر إحدى عشرة قراءة ثم شرع في بيان معانيها فقال: «وما فيه استفهام صريح أو مضمن» كما في قراءة «أم أدرك» و «أم تدارك» فإن «أم» فيهما بمعنى «بل» والهمزة فإنكار لإدراك علمهم أي لانتهائه وتكامله. قوله: (وما فيه بلى فإثبات لشعورهم) فإنه لما قيل: بلى أدرك بعد قوله: وَما يَشْعُرُونَ كان معناه بلى يشعرون. ثم فسر الشعور بإدراك علمهم في الآخرة على سبيل التهكم الذي معناه المبالغة في نفي العلم فكأنه قال: شعورهم بوقت الآخرة أنهم لا يعلمون كونها فيرجع إلى نفي الشعور على أبلغ ما يكون فقوله: «وتفسير له» إنما هو على قراءة «بلى أدرك» بغير همزة الاستفهام.