حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 417
فيجازيهم عليه.
وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ خافية فيهما وهما من الصفات الغالبة والتاء فيهما للمبالغة كما في الرواية أو اسمان لما يغيب ويخفى كالتاء في عافية وعاقبة. إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (75) بين أو مبين ما فيه لمن يطالعه. والمراد اللوح أو القضاء على الاستعارة.
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) كالتشبيه والتنزيه وأحوال الجنة والنار وعزيز والمسيح.
وَإِنَّهُ لَهُدىً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي جاهل. قوله: (وهما من الصفات الغالبة) جعلهما من قبيل الراوية دليل على أن ليس مراده من الصفات الغالبة الصفات التي غلبت عليها الاسمية لأن الراوية ليست من تلك المقولة لكونها من ألفاظ المبالغة بمعنى كثير الرواية، فينبغي أن يكون مراده الصفات الغالبة على آحاد جنسها من حيث القوة والكمال فتكون الغائبة والخافية بمعنى شديد الغيبوبة والخفية، وتكون التاء فيهما للدلالة على هذا المعنى كما في الرواية. ويحتمل أن لا يكونا صفتين بل يكونا اسمين لما يغيب ويخفى فتكون التاء فيهما كالتي في العافية والعاقبة من حيث كونهما اسمين بنيا على التاء مثلهما. ثم إنه تعالى لما قصّ أحوال الأنبياء مع أممهم وأنه دمر من خالفهم وعصاهم وأنجى من آمن بهم وأطاعهم وقال لكفار مكة على سبيل الإلزام والتبكيت آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: 59] وبيّن أنه خير بتفصيل ما يدل على قدرته الكاملة وآلائه المتكاثرة في تفرده بعلم الغيب والشهادة، وهدد منكري البعث بحملهم على النظر في أحوال المكذبين وما نزل بهم بشؤم تكذيبهم قال بعده: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ تحريكا للمشركين على اتباع القرآن. فإنه لما اشتمل على بيان الحكم والحق في أكثر ما اختلف فيه أهل الكتاب الذين هم في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يجدوا مطعنا في شيء مما قصه وبينه، وكان المشركون يرجعون إليهم في كثير من أمورهم، وعلموا عجزهم عن الطعن فيه ظهر لهم أن ما فيه من الشرائع وأصول القواعد الدينية كالتوحيد والحشر والنبوة وشرح صفات اللّه تعالى وبيان نعوت جلاله مطابق لما تقتضيه العقول السليمة وموافق لما في الكتب المتقدمة، وذلك يحرك لهم داعية القبول والاتباع. فإن قيل: إن بني إسرائيل يعلمون بأنفسهم ما اختلفوا فيه ولا يحتاجون في بيانه إلى القرآن. فالجواب. واللّه أعلم. أن المعنى أن هذا القرآن يبين لهم الحكم أو يبين لهم الحق في أكثر ما كانوا يختلفون فيه. وقيل: ذكر في مواضع من القرآن أن فيه بيان كل حكم حيث قال: وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [الأنعام: 59] وقال: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً [النحل: 89] فما وجه قوله: يبين لهم الحكم في أكثر ما كانوا يختلفون فيه؟ وأجيب بأن المراد أنه يبين لهم أكثر ما اختلفوا فيه على طريق التنصيص والتصريح ويبيّن الباقي بطريقة الدلالة والإشارة، فإن البيان ضربان: صريح ودلالة.