حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 424
يعني به خوف عذاب يوم القيامة وبالأول ما يلحق الإنسان من التهيب لما يرى من الأهوال والعظائم ولذلك يعم الكافر والمؤمن. وقرأ الكوفيون بالتنوين لأن المراد فزع واحد من إفزاع ذلك اليوم «وأمن» يعدّى بالجار وبنفسه كقوله:
أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ [الأعراف: 99] وقرأ الكوفيون ونافع «يومئذ» بفتح الميم والباقون بكسرها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ قيل بالشرك فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ فكبّوا فيها على وجوههم. ويجوز
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجعل ثواب الآخرة خيرا من الحسنات التي جاء بها العبد في الدنيا لأن أجل حسناته هي معرفة اللّه تعالى وإخلاص العمل له، لأن المعرفة الضرورية الحاصلة في الآخرة ولذة النظر إلى وجهه الكريم أجل وأشرف من المعرفة النظرية الحاصلة في الدنيا، وأن ما جاء به من الأعمال الخالصة فانية مشوبة بأنواع التقصير واقعة بأنواع المشقة ومخالفة الهوى، وأفعال أهل الجنة سالمة من اللغو والتأثيم صافية عن كدر المشقة والتكليف وشأنهم حال استغراقهم فيما يشتهون من اللذائذ مشاهدة جمال من أنعم بها وتمجيد عظيم شأنه وعلو كبريائه والأنس بتقديسه وتمجيده طبعا والتذاذا لا فرضا وتكليفا، وليس حالهم كحال المتنعمين في الدنيا من الاشتغال بالنعمة عن المنعم فأي مناسبة بين أحوالهم في الجنة وأحوالهم في الدنيا؟ قوله:
(يعني به خوف عذاب يوم القيامة) إشارة إلى دفع التدافع بين قوله: فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وبين قوله: وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ فإن من قرأ من «فزع يومئذ» بالإضافة يحمل الفزع على الفزع المختص بذلك اليوم وهو فزع العذاب الأليم والعقاب الدائم وأهل الجنة آمنون منه، وأما ما يلحق الإنسان من التهيب والرعب لما يرى من الأهوال والعظائم على ما عليه الجبلة البشرية فإنه يعم الكافر والمؤمن. وتنوين «يومئذ» عوض عن المضاف إليه فإن «إذ» تضاف إلى الجملة وقد حذفت ههنا وعوض عنها التنوين. وأشار المصنف بقوله: «يعني به خوف عذاب يوم القيامة» إلّا أنه اختار قراءة من قرأ بإضافة «فزع» إلى «يوم» وأن الجملة التي أضيف إليها «إذ» في الأصل هي قامت القيامة والأصل يوم إذ قامت القيامة، وهو أحسن من أن يجعل التقدير: يوم إذ جاء بالحسنة أو يوم إذ ترى الجبال أو يوم إذ ينفخ في الصور. قوله: (وقرأ الكوفيون بالتنوين) للإفراد والتعظيم. وقرأ الآخرون بالإضافة. وعلى قراءة التنوين يكون «يومئذ» منصوبا بالمصدر لكونه مؤولا بأن مع الفعل تقديره: وهم من أن يفزعوا يومئذ أو بآمنون أي آمنون يومئذ، وعلى الإضافة يكون «يومئذ» مبنيا على الفتح لكونه مضافا إلى «إذ» وهو غير متمكن. قوله: (وأمن يعدّى بالجار) كما في هذه الآية فإن «من» فيها صلة «آمنون» . قوله: (فكبّوا فيها) لأن ما يكب ويلقى في النار ليس وجوههم وحدها إلا أنه أسند الكب إليها إيذانا بأنهم يكبون على وجوههم فيها منكوسين.
ووجه الإيذان أنه لما اكتفى بذكر الوجوه ومن المعلوم أنه لا يمكن إلقاء الوجوه في النار مع