حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 432
قرئ «فرغا» من قولهم: دماؤهم بينهم فرغ، أي هدرا من الهم لفرط وثوقها بوعد اللّه تعالى أو لسماعها أن فرعون عطف عليه وتبناه. إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أنها كادت لتظهر بموسى أي بأمره وقصته من فرط الضجرة أو الفرح بتبنيه. لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها بالصبر والثبات. لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) من المصدقين بوعد اللّه أو من الواثقين بحفظه لا بتبني فرعون وعطفه. وقرئ «مؤسى» إجراء للضمة في جار الواو مجرى ضمتها في استدعاء همزها همزوا ووجوه، وهو علة الربط وجواب «لو لا» محذوف دل عليه ما قبله.
وَقالَتْ لِأُخْتِهِ مريم قُصِّيهِ اتبعي أثره وتتبعي خبره. فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ عن بعد. وقرئ «عن جانب» و «عن جنب» وهو بمعناه. وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (11) أنها تقص أو أنها أخته.
وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ ومنعناه أن يرتضع من المرضعات جمع مرضع أو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذهلت عن الوحي الذي أوحي إليها (أن ألقاه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك) وروي أنه جاءها الشيطان وقال لها: كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجر، فتوليت أنت إهلاكه فألقيته في البحر فأوقعه البحر في يد عدوه. قوله: (أو من الهم) عطف على قوله: «من العقل» . والفرع بكسر الفاء وسكون الراء والغين المعجمة الهدر. قوله: (إنها كانت لتظهر) يريد أن «أن» مخففة واللام فارقة فالباء في «به» مزيدة في المفعول أي لتظهره وتقول إنه ابنها، أو تقول: وا ابناه. وقوله: لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا جوابه محذوف أي لأبدت كقوله: وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ [يوسف: 24] . قوله: (من فرط الضجرة) مبني على كون قوله فارغا بمعنى صفرا من العقل وقوله: «أو الفرح» مبني على كونه بمعنى صفرا من الهم، فكما أن فرط الضجرة يصح كونه مؤديا إياها إلى إظهار أمر موسى فكذا الفرح بما سمعته من أن فرعون أحبه وأكرمه وتبناه يصح كونه مؤديا إليه أيضا، لا سيما وقد انضم إليه الاعتماد على تكفل اللّه تعالى بمصلحته. فإن قيل: كيف يكون فؤادها فارغا من الهم والحزن واللّه تعالى يقول: لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها وهل يربط إلا على قلب الجازع المحزون؟
قلنا: الحصر ممنوع فإنه تعالى كما يربط على قلب الجازع الحزين يربط على قلب الواثق بوعد اللّه تعالى وضمانه. ومعنى الربط على القلب إلهامه الصبر وتقويته كما يربط على الشيء المتقلب ليقر ويطمئن. وقوله: لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ متعلق «بربطنا» أي ربطنا على قلبها لتكون من المصدقين بوعد اللّه تعالى وهو قوله: إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وقوله: «أو من الواثقين بحفظه لا بتبني فرعون» مرتبطا بقوله: «أو الفرح بتبنيه» .
قوله تعالى: (فَبَصُرَتْ بِهِ) أي أبصرته فإن بصر به وأبصره بمعنى واحد. قوله: (ومنعناه أن يرتضع) لما كان التحريم الحقيقي لكونه عبارة عن النهي واقتضاء ترك الفعل غير متصور