حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 433
مرضع وهو الرضاع أو موضعه يعني الثدي. مِنْ قَبْلُ من قبل قصها أثره. فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ لأجلكم وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (12) لا يقصرون في إرضاعه وتربيته. روي أن هامان لما سمعها قال: إنها لتعرفه وأهله فخذوها حتى تخبر بحاله. فقالت: إنما أردت (وهم للملك ناصحون) فأمرها فرعون بأن تأتي بمن يكفله فأتت بأمها وموسى على يد فرعون يبكي وهو يعلله فلما وجد ريحها استأنس والتقم ثديها فقال: من أنت منه فقد أبى كل ثدي إلا ثديك؟ فقالت: إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتي بصبي إلا قبّلني. فدفعه إليها وأجرى عليها فرجعت به إلى بيتها من يومها. وهو قوله:
فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بولدها وَلا تَحْزَنَ بفراقه وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ علم مشاهدة وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (13)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ههنا لكونه فرع التكليف جعل التحريم مستعارا للمنع من الارتضاع بأن شبه المنع بالتحريم للمناسبة بينهما في التأدية إلى الامتناع، فأطلق عليه اسم التحريم واشتق منه «حرمنا» . فإنه تعالى منعه أن يرتضع ثدي كل مرضع إما بأن أحدث في طبعه عليه الصلاة والسّلام النفرة عن لبن سائر النساء فلذلك لم يرضع، أو أحدث في لبنهن من الطعم ما يتنفر منه طبعه، أو وضع في لبن أمه لذة فلما تعودها أي تعود موسى عليه الصلاة والسّلام لبن أمه لا جرم كان يكره لبن غيرها. فإنه روي أن أمه قد أرضعته ثلاثة أشهر حتى عرف ريحها فلا يبعد أن لا يقبل لبن غيرها لذلك. والمراضع جمع مرضع وهي المرأة التي ترضع، أو مرضع وهو موضع الرضاع يعني الثدي، أو مصدر بمعنى الرضاع. قوله: (يكفلونه لكم) أي يضمنون رضاعه والقيام بمصالحه لأجلكم. والنصح إخلاص العمل عن شائبة الفساد. قوله: (فقالت إنما أردت وهم للملك ناصحون) أي قالت: لا أعرف الغلام. وإنما قالت ذلك ليزول اضطراب الملك ويسكن قلبه فخلصت نفسها بهذه الكلمة من التهمة وأحسنت، وليس ببدع لأنها من بيت النبوة وأخت نبي لأبيه وأمه فحق لها أمثال ذلك. روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: لما قالت أخته: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ قالوا لها: من هي؟ قالت:
أمي قالوا: ولأمك لبن؟ قالت: نعم لبن هارون أخي. وكان هارون ولد في سنة لم تقتل فيها الولدان فقالوا: صدقت. قوله: (وأجرى عليها) وفي الكواشي: فدفعه إليها وأجرى أجرتها عليها وأخذتها لأنها مال حربي لا أنها أجرة حقيقة على إرضاعها ولدها فذهبت به إلى بيتها.
وقيل: لما دفعه إليها لم يبق من آل فرعون أحد إلا أهدى إليها وأتحفها بالذهب والجواهر.
قوله: (علم مشاهدة) أي علما بمشاهدة الموعود فإنها كانت عالمة قبل ذلك بطريق الوحي أن ما وعده اللّه تعالى إياها من أنه يرده إليها حق لكن ليس الخبر كالمعاينة. وصاحب الكشاف حمل الوعد على الوعد بجعله من المرسلين حيث قال: أنجز اللّه وعده في الرد فعندها ثبت