حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 437
إنعامك عليّ اعصمني فلن أكون معينا لمن أدت معاونته إلى جرم. وعن ابن عباس: أنه لم يستثن فابتلي به مرة أخرى. وقيل: معناه بما أنعمت عليّ من القوة أعين أوليائك فلن استعملها في مظاهرة أعدائك.
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ يترصد الاستقادة فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ يستغيثه مشتق من الصراخ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) مبين الغواية لأنك تسببت لقتل رجل وتقاتل آخر.
فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما لموسى والإسرائيلي لأنه لم يكن على دينهما، ولأن القبط كانوا أعداء بني إسرائيل. قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعلى تقدير كون قوله: بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَ استعطافا مؤكدا لجملة طلبية مقدرة وهي اعصمني يكون قوله: فَلَنْ أَكُونَ جوابا للأمر المقدر سببا عنه. قوله: (وعن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه لم يستثن) تأييد لكون قوله: بِما أَنْعَمْتَ قسما لا استعطافا، لأن الابتلاء إنما يكون بالزلة لا بعدم كونه مجاب الدعوة. وقوله: «فابتلى به مرة أخرى» في اليوم الثاني.
قال الإمام: هذا ضعيف لأنه في اليوم الثاني لم يبتل بإعانة المجرم بل ترك الإعانة، وإنما خاف منه ذلك العدو فقال: (أن تريد إلا أن تكون جبار) إلا أنه وقع منه ذلك.
قوله: (وقيل معناه بما أنعمت عليّ من القوة الخ) فعلى هذا القول لا تكون الباء للقسم ولا للاستعطاف بل تكون للسببية أي بسبب ما أنعمت عليّ من القوة أشكرك فلن استعملها إلا في مظاهرة أوليائك لا أدع أحدا من أعدائك يغلب أحدا من أوليائك. ثم إن موسى عليه الصلاة والسّلام لما قتل ذلك القبطي بالوكز أصبح أي صار خائفا على نفسه من أن يظهر أنه هو القاتل ويستفاد أي يطلب أن يقتل قودا. وتعريف المدينة للعهد والمعهود المدينة التي قتل فيها القبطي و «خائفا» خبر «أصبح» و «في المدينة» متعلق به و «يترقب» بدل من «خائفا» أو خبر ثان ومفعول «يترقب» محذوف أي يترقب وينتظر المكروه. روي أن ولي الدم جاء فرعون وقال له: قد قتل بنو إسرائيل منا قتيلا فخذ حقنا منهم. فقال له: أما علمت أن لا نقضي إلا بالبينة. فبينا هم يطوفون في طلب البينة إذا مر موسى من الغد فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا آخر فاستغاثه على الفرعوني، فغضب عليه موسى فقال: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أي بيّن الغواية والضلال على أن الغوي فعيل بمعنى الغاوي، وقيل: إنه بمعنى المغوي والمعنى:
إني وقعت بالأمس فيما وقعت فيه بسببك فالآن تريد أن توقعني في ورطة أخرى. فلما أراد موسى أن يبطش بالقبطي الذي هو عدو لموسى عليه الصلاة والسّلام وللإسرائيلي فوثب عليه ليمنعه من أخذ الإسرائيلي وتسخيره ظن الإسرائيلي أنه عليه السّلام أراد أن يبطش به بناء على أنه عليه الصلاة والسّلام خاطبه بقوله: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ورأى الغضب عليه فقال له: يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ فصار هذا القول منه سببا لظهور أن القتل