حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 513
يعرف بالقراءة والتعلم خارق للعادة، وذكر اليمين زيادة تصوير للمنع ونفي للتجوز في الإسناد. إِذًا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (48) أي لو كنت ممن يخط ويقرأ لقالوا لعلة تعلمه أو التقطه من كتب الأقدمين. وإنما سمّاهم مبطلين لكفرهم أو لارتيابهم بانتفاء وجه واحد من وجوه الإعجاز المتكاثرة. وقيل: لارتاب أهل الكتاب لوجدانهم نعتا على خلاف ما في كتبهم فيكون إبطالهم باعتبار الواقع دون المقدر.
بَلْ هُوَ بل القرآن آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ يحفظونه لا يقدر أحد عن تحريفه وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49) إلا المتوغلون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أهل مكة. ثم إنه تعالى لما وصف القرآن بكونه كتابا كاملا عجيب الإنزال وبيّن من آمن به ذكر أن من لم يؤمن به إنما لا يؤمن لتوغله في الكفر من حيث إن توغله في الكفر يمنعه عن التأمل في دلائل حقيته وإعجازه. ثم بيّن كونه معجزة بالإضافة إليه عليه الصلاة والسّلام بقوله: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ أي من قبل إنزال القرآن عليه من كتاب وهو مفعول «تَتْلُوا» و «مِنْ» زائدة في المفعول أي ما كنت قارئا كتابا قبل ذلك وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ أي ولا تكتب الآن بيمينك كتابا، وكذا كان صفته في التوراة والإنجيل أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب. قوله: (وذكر اليمين) جواب عما يقال: ما فائدة ذكر اليمين مع أن الكتابة إنما تزاول باليمين؟ فذكر له فائدتين: الأولى زيادة تصوير كونه كاتبا كما وصف الطائر بقوله: يطير بجناحيه لذلك، والثانية دفع التجوز في الإسناد فإن الفعل كثيرا ما يسند إلى سبب الأمر فلما قيل: بِيَمِينِكَ اندفع ذلك الاحتمال.
قوله: (وإنما سمّاهم مبطلين) مع أنه عليه الصلاة والسّلام لو كان قارئا كاتبا وقال مشركو مكة: لعله تعلمه أو التقطه من كتب الأقدمين لكانوا صادقين محقين في الذهاب إلى هذا الاحتمال. وحاصل الجواب الأول أنهم مبطلون الآن لكفرهم به عليه الصلاة والسّلام مع كونه أميا، وليس المراد أنهم مبطلون على تقدير كونه عليه الصلاة والسّلام قارئا كاتبا.
وحاصل الجواب الثاني أنه ليس المراد أنهم مبطلون في الذهاب إلى هذا الاحتمال على تقدير كونه قارئا كاتبا بل المراد أنهم مبطلون في الارتياب في كون القرآن وحيا إلهيا مع كثرة وجوه إعجازه سوى كون الموحى إليه أميا. قوله: (فيكون إبطالهم باعتبار الواقع دون المقدر) لأنهم لا يكونون مبطلين في ارتيابهم على تقدير كونه عليه الصلاة والسّلام قارئا كاتبا لأن ارتيابهم حينئذ يكون عن دليل إلا أنه سماهم مبطلين وإن لم يكونوا مبطلين على ذلك التقدير لكونهم مبطلين في الواقع حيث ارتابوا مع وجدانهم نعته عليه الصلاة والسّلام على وفق ما في كتبهم وهو كونه أميا. قوله: (بل القرآن) بل فيه للإضراب عن بيان كونه منزلا إنزالا عجيبا إلى بيان ما هو أهم منه وهو كونه آيات بينات الإعجاز محفوظة في صدور العلماء بحيث لا يقدر أحد