حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 514
في الظلم بالمكابرة بعد وضوح دلائل إعجازها حيث لم يعتدوا بها وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ مثل ناقة صالح وعصا موسى ومائدة عيسى. وقرأ نافع وابن عامر والبصريان وحفص «آيات» قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ينزلها كيف يشاء لست أملكها فآتيكم بما تقترحونه وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) ليس من شأني إلا الإنذار وإبانته بما أعطيت من الآيات
أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ آية مغنية عما اقترحوه. أَنَّا أَنْزَلْنا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على تحريفه. و «بَيِّناتٌ» صفة «آياتٌ» و «فِي صُدُورِ» صفة ثانية أي هو آيات بينات الإعجاز محفوظات في صدور العلماء وكل واحد من كونه آيات بينات الإعجاز، وكونه محفوظا في صدور حفاظه بحيث يتلوه كثير من الأمة عن ظهر القلب من خصائص القرآن، فإن سائر الكتب لم تكن ألفاظها معجزات وما كانت تقرأ إلا من المصاحف نظرا فيها فإذا طبقت لم تعرف الأمة من كتابهم شيئا. وقد ورد في صفة هذه الأمة «قرابينهم نفوسهم وأناجيلهم صدورهم» . والأناجيل جمع إنجيل وهو اسم كتاب عيسى عليه الصلاة والسّلام. والمعنى:
أنهم يقرؤون كتاب اللّه عن ظهر قلوبهم وهو مثبت محفوظ في صدورهم كما كان كتاب النصارى مثبتا في أناجيلهم. قال اللّه تعالى قبل بيان كون الآيات القرآنية معجزة بالإضافة إليه عليه الصلاة والسّلام ببيان كونه أميا وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ وقال بعد بيان ذلك إِلَّا الظَّالِمُونَ مع أنه لا تنافي بين الكلامين لأن الكافر ظالم إلا أن المناسب في مقام إرشاد أهل الكتاب وتنفيرهم عن تكذيب القرآن لفظ الكافرين، لأن أهل الكتاب تميزوا عن المشركين بأن آمنوا بجميع ما يجب الإيمان به من التوحيد وإرسال الرسل وإنزال الكتب والحشر والجزاء سوى الإيمان برسالة سيد المرسلين وحقية كتابه، فهم يدعون الإيمان ويستنكفون عن الكفر فالمناسب في دعوتهم إلى الإيمان أن يقال لهم: إنكم قد حصل لكم مزايا الإيمان فلا تبطلوها بإنكار آيات اللّه تعالى مع ظهوره حقيتها بقيام الحجة عليها فتكونوا كافرين بخلاف مقام التقريع عليهم بإصرارهم على التكذيب بعد ما تبين كونها معجزة بالإضافة إليه عليه الصلاة والسّلام، فإن المناسب بذلك المقام لفظ نفي عن الشرك لقوله تعالى:
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13] فكأنه قيل: إن جحدتم بالآيات القرآنية بعد ما تبين كونها معجزة لمبلغها لزمكم إنكار الرسالة والكتب المنزلة بأسرها، إذ لا طريق إلى الإقرار بها سوى الاعتداد بالمعجزة، فمن لم يعتد بالمعجزة لزمه أن يلتحق بالمشركين ويكون من جملة الظالمين بالإشراك. ثم إنه تعالى لما بيّن طريق المجادلة مع أهل الكتاب في دعوتهم إلى الإيمان عاد إلى حكاية ما تعنت به كفار مكة باقتراح آيات كما جاءت بها الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام إلى أممهم فقال: وَقالُوا يعني كفار مكة لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ فأرشد نبيه عليه الصلاة والسّلام إلى أن يقول في جوابهم أولا إنما الآيات عند اللّه وليس من