حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 517
تخييلية قرينة للمكنية. ولما هدّدهم اللّه تعالى بقوله: أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ قال نصر بن الحارث: اللهم امطر علينا حجارة من السماء كما قال أصحاب الأيكة فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ [الشعراء: 187] إظهارا لقطعهم بعدم العذاب واستهزاء منهم وتكذيبا لمن هددهم به.
قوله: (ستحيط بهم) يعني أن اسم الفاعل بمعنى الاستقبال لكن جيء بالجملة الاسمية مؤكدة «بأن» ولام الابتداء للإيذان بأن وعد اللّه تعالى ووعيده كالمتحقق في الحال لتحقق وقوعه البتة. ويحتمل أن يكون اسم الفاعل بمعنى الحال ويكون المعنى أن جهنم لمحيطة بهم في الدنيا باعتبار أن أسباب إحاطتها من الكفر والمعاصي محيطة بهم في الحال فنزل المسبب أيضا منزلة الواقع في الحال.
قوله: (وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسّلام) خص إبراهيم عليه الصلاة والسّلام لكونه هاجر من كوثى إلى الشام فرارا بدينه حيث قال: إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي ومحمد سيد المرسلين هاجر إلى المدينة حيث تعذر عليه رعاية ما أمر به في أمر الدين وأمر المؤمنين بالهجرة من الموضع الذي لا يمكنهم فيه عبادة اللّه، وكذلك يجب على كل من كان في بلدة تعمل فيها المعاصي ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر إلى حيث يمكنه أن يعبد اللّه فيه حق عبادته.
قوله: (فإياي) منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر وهو فَاعْبُدُونِ تقديره فاعبدوا إياي فاعبدون فاستغنى بالثاني عن إظهار الأول، ولا يجوز انتصابه بالفعل الظاهر لاشتغاله عنه بالضمير الذي بعده. ذهب صاحب الكشاف إلى أن قوله تعالى: فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ جواب شرط محذوف وجعل تقديم المفعول عوضا عن الشرط المحذوف مع إفادة تقديمه معنى الاختصاص. ثم إنه تعالى لما أمر المؤمنين بالمهاجرة إلى أرض يمكنهم فيها رعاية وظائف العبادة صعب عليهم ترك الأوطان ومفارقة الإخوان، فخوّفهم اللّه تعالى بالموت ليهون عليهم الهجرة. والمعنى لا محيص لأحد من الموت والمعاد بعده فلا بد من التزود لذلك وذلك بإخلاص العبادة للّه تعالى بعد توحيده على رجاء أن يثاب عليه، فإن لم يتيسر ذلك في مكان فلا بد من المهاجرة منه إلى مكان تيسر ذلك. ثم ذكر ثواب من هاجر فقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني المهاجرين و «الذين» يجوز أن يكون في محل الرفع على الابتداء أو في محل النصب على الاشتغال. وعلالي جمع علية وهي الغرفة ووزنها فعيلة مثل صديقة وأصلها عليوة فأبدلت الواو ياء وأدغمت.