حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 518
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ لننزلنهم مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا علالي.
وقرئ «لنثوينهم» أي لنقيمنهم من الثواء فيكون انتصاب «غرفا» لإجرائه مجرى «لننزلنهم» أو بنزع الخافض أو تشبيه الظرف الموقت بالمبهم. تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (58) وقرئ «فنعم» والمخصوص بالمدح محذوف دل عليه ما قبله. الَّذِينَ صَبَرُوا على أذية المشركين والهجرة للدين إلى غير ذلك من المحن والمشاق. وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59) ولا يتوكلون إلا على اللّه
وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ 2 لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا لا تطيق حمله لضعفها أو لا تدخره وإنما تصبح ولا معيشة عندها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ لنثويهم) بثاء مثلثة ساكنة بعد النون وياء مفتوحة بعد الواو من الثواء وهو الإقامة، يقال: ثوى الرجل إذا أقام وأثويته إذا أنزلته منزلا يقيم فيه. وهذه قراءة حمزة والكسائي. وقرأ الباقون «لنبوئنهم» بباء موحدة مفتوحة بعد النون وهمزة مفتوحة بعد الواو من المباءة وهي الإنزال أي لننزلنهم من الجنة غرفا، وانتصاب «غرفا» على قراءة الأخوين إما على أنه مفعول به على تضمين أثوى معنى أنزل لأن ثوى لازم فيعدى بالهمزة إلى واحد ويتعدى إلى اثنين باعتبار التضمين، وإما على الظرفية بتشبيه الظرف المحدود بالمبهم كما في قوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: 16] أي بإسقاط الخافض اتساعا أي في غرف، وإما على قراءة الباقين فهو منصوب على أنه مفعول ثان لأن بوأ يتعدى إلى اثنين قال تعالى: تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ [آل عمران: 121] وقوله: تَجْرِي صفة «لغرفا» .
قوله: (وقرئ فنعم) بزيادة الفاء على أن الفاء لعطف الجملة على الجملة التي قبلها لا لتفيد أن مضمون الجملة التي بعدها واقع عقيب مضمون الجملة التي قبلها من غير أن يتخلل بينهما زمان فاصل كما في نحو: قام زيد فقعد عمرو بل هي للدلالة على أن المذكور بعدها كلام مرتب على ما قبلها في الذكر لا أن مضمونها عقيب مضمون ما قبلها في الزمان كما في قوله تعالى: فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [النحل: 29] فإن ذكر ذم الشيء أو مدحه بعد جري ذكره والمخصوص بالمدح محذوف، والتقدير: نعم أجر العاملين خالصا لوجه اللّه الغرف الموصوفة حذف لدلالة ما قبله عليه. قوله تعالى: (وَ كَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ) «كَأَيِّنْ» كلمة مركبة من كاف التشبيه وأي التي تستعمل استعمال «مِنْ» ولما ركبتا جعل المركب بمعنى «كم» الخبرية. و «كَأَيِّنْ» مبتدأ ولا تحمل صفتها و «اللَّهُ يَرْزُقُها» خبره و «مِنْ دَابَّةٍ» تمييز أي وكم من نفس دبت على وجه الأرض عقلت أو لم تعقل لا تطيق أن تحمل رزقها لضعفها عن حمله مع احتياجها إلى الغذاء مثلكم أي لا تدخر شيئا من الرزق لغد إنما تصبح فيرزقها اللّه من حيث لا تحتسب. قيل: لا يدخر شيء من الحيوان قوتا إلا ابن آدم والفارة والنملة، ويقال: إن للعقعق مخابئ إلا أنه ينسى خبيئته.