فهرس الكتاب

الصفحة 3838 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 519

اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ ثم إنها مع ضعفها وتوكلها وإياكم مع قوتكم واجتهادكم سواء في أنه لا يرزقها وإياكم إلا اللّه، لأن رزق الكل بأسباب هو المسبب لها وحده فلا تخافوا على معاشكم بالهجرة. فإنهم لما أمروا بالهجرة قال بعضهم: كيف نقدم بلدة ليس لنا فيها معيشة؟ فنزلت: وَهُوَ السَّمِيعُ لقولكم هذا الْعَلِيمُ (60) بضميركم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لا يرزقها وإياكم إلا اللّه) استفاد الحصر من تقديم الجلالة وبناء الفعل عليه، فإن مثل هذا التركيب يفيد الاختصاص كما ذكره الزمخشري في سورة الرعد في قوله: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ [الرعد: 26؛ القصص: 82؛ العنكبوت: 62] وآيات أخرى .. عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: خرجنا مع النبي عليه الصلاة والسّلام حتى دخلنا بعض حيطان الأنصار فجعل يلتقط من الثمر ويأكل فقال: «يا ابن عمر ما لك لا تأكل» ؟ فقلت: لا أشتهيه يا رسول اللّه. قال: «أنا أشتهيه وهذا صبح رابعة لم أطعم طعاما ولم أجده» . فقلت: إنّا للّه واللّه المستعان. قال: «يا ابن عمر لو سألت ربي لأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر أضعافا مضاعفة ولكني أجوع يوما وأشبع يوما، فكيف بك يا ابن عمر إذا عمرت وبقيت في حثالة من الناس يجتنون رزق سنة ويضعف منهم اليقين» . فو اللّه ما برحنا حتى نزلت: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا الآية. وقال عليه السّلام: «لو أنكم تتوكلون على اللّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا» . قوله: (لأن رزق الكل بأسباب) فإنه تعالى لو لم يخلق النبات لم يكن للبهائم رزق، وأيضا ليس الغذاء بمجرد الابتلاع بل لا بد في صيرورة الغذاء أجزاء من المتغذي بتحوله لحما وعظما وشحما من أن يخلق اللّه تعالى فيه قوة جاذبة وماسكة وهاضمة ودافعة وغيرها من القوى التي لا تحصل إلا بمحض قدرة اللّه تعالى وإرادته. فإذا تقرر أن رزق الكل بأسباب هو المسبب لها وحده ثبت أنه تعالى هو الذي يرزق الدواب كلها ومباشرة الأسباب وسلوك طريق الاكتساب لا يمنعان التوكل وكذا جمع ما اكتسبه وإعداده لوقت الحاجة لا يقدح في التوكل بل الذي يقدح فيه أن يكون اعتماده على ما في يده وعلى ما يتيسر له من طرائق اكتسابه، وأما من تمسك بالأسباب وسلك سبيل الاكتساب اتباعا لسنة اللّه تعالى في ترزيق العباد حيث جرت عادته في إفاضة الخيرات على الاستفاضة والطلب من قاضي الحاجات بالتسبب لما جعله سببا لنيل المرادات مع الاعتقاد بأنه تعالى قادر على أن يرزقه من غير كد واهتمام وعلى أن يجعل سعيه في تمسك الأسباب ضائعا غير مؤدي إلى المراد فهو متوكل على العزيز العلام حيث كد وسعى معتمدا عليه لا على عمله واجتهاده. ثم إنه تعالى لما خاطب المؤمنين وأمرهم بالمهاجرة إلى أرض يتسهل لهم فيها عبادة اللّه قال على سبيل التعجب من كفار مكة وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ذكر في السموات والأرض خلقهما وفي الشمس والقمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت