حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 520
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ المسؤول منهم أهل مكة لَيَقُولُنَّ اللَّهُ لما تقرر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد واجب الوجود. فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61) يصرفون عن توحيده بعد إقرارهم بذلك.
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ يحتمل أن يكون الموسع له والمضيق عليه واحدا على أن البسط والقبض على التعاقب، وأن لا يكون على وضع الضمير موضع من يشاء وإبهامه لأن من يشاء مبهم. إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62) يعلم مصالحهم ومفاسدهم.
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ معترفين بأنه الموجد للممكنات بأسرها أصولها وفروعها. ثم إنهم يشركون به بعض مخلوقاته الذي لا يقدر على شيء من ذلك قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تسخيرهما لأن الحكمة لا تتم بمجرد خلق الشمس فإن الشمس لو كانت مخلوقة بحيث تستقر في موضع واحد لما حصل الليل والنهار ولا الصيف والشتاء فإذن الحكمة في تحريكهما وتسخيرهما. ثم إنه تعالى لما بيّن إيجاد الذوات بقوله: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وبيّن إيجاد الصفات بقوله: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ذكر الرزق لأن كمال الخلق ببقائه وبقاء الإنسان بالرزق كأنه قيل: المعبود إما أن يعبد لاستحقاقه العبادة فالأصنام ليست كذلك بل المستحق لها هو اللّه تعالى، وإما لكونه عظيم الشأن فاللّه تعالى خالق السموات والأرض هو المنفرد بعظم الشأن فله العبادة، وإما لكونه ولي الإحسان فاللّه الذي يرزق الخلق هو المنفرد بالفضل والإحسان فله العبادة (فأنى يشركون) . قوله: (ويقدر له) أي يضيق فإن القدر والقتر بمعنى واحد وهو التضييق. قوله: (يحتمل أن يكون الموسع له والمضيق عليه واحدا) هذا الاحتمال هو الظاهر لأن «مِنْ» * في قوله: مَنْ يَشاءُ* موصولة أريد بها من أفراد الإنسان من تعين بكونه شاء اللّه التوسع له ولو غايره لما رجع ضمير «يقدر له» عليه ولما كان التوسع والتضيق متضادين لا يجتمعان في محل واحد في زمان واحد وجب أن يكون اجتماعهما فيه على سبيل التعاقب. وأما اختلافهما ذاتا مع وجوب كون الضمير راجعا إلى عين ما ذكر أولا وهو من تعلق به مشيئة التوسيع فبعيد لأن مفهوم من يشاء البسطلة وإن كان مبهما من حيث تناوله الافراد المندرجة تحته لا إبهام فيه من حيث تناوله الموسع له والمضيق عليه المختلفين ذاتا حتى يكون الضمير الراجع إليه مبهما مثله متنا. ولا للمضيق عليه، إلا أن يقال المراد بقوله: «لأن من يشاء مبهم» أن مفهوم من يشاء مع قطع النظر عن تعلقه بالمفعول المحذوف يتناول الموسع له والمضيق عليه فإن ذاتا تعلق به المشيئة كما يصدق على من تعلقت المشيئة بالتوسيع له يصدق أيضا على من تعلقت بالتضييق عليه، فيكون الضمير الراجع إليه مبهما مثله فيختلف الموسع له والمضيق عليه ذاتا