حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 521
على ما عصمك من مثل هذه الضلالة أو على تصديقك وإظهار حجتك. بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (63) فيتناقضون حيث يقرون بأنه المبدئ لكل ما عداه ثم يشركون به الصنم. وقيل: لا يعقلون ما تريد بتحميدك عند مقالهم.
وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إشارة تحقير وكيف لا وهي لا تزن عند اللّه جناح بعوضة؟ إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ إلا كما يلهي ويلعب به الصبيان ويجتمعون عليه ويبتهجون به ساعة ثم يتفرقون متعبين. وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لهي دار الحياة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مع رجوع الضمير إلى «من يشاء» ، كما إذا قيل: يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر لمن يشاء فإنه إذا قيل: ويقدر لمن يشاء لا يشتبه عند أحد أن المبسوط له غير المقدور عليه، فكذا إذا قيل: و «يقدر له» لأنه في قوة ذلك لأن من يشاء مبهم بالتوجيه الذي ذكرنا فيكون ضميره أيضا كذلك، فصلح لإبهامه أن يراد به غير الأول. ثم إنه تعالى لما قال: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ ذكر اعترافهم بذلك فقال: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً الآية لأن تنزيل الماء سبب لوجود الرزق فالاعتراف بأن موجد السبب هو اللّه تعالى اعتراف بأن موجد المسبب أيضا هو اللّه فهو اعتراف بأن الرازق هو اللّه تعالى.
قوله: (على ما عصمك من مثل هذه الضلالة) وهي ضلالة المناقضة بين اعترافهم بأن موجد الممكنات بأسرها أصولها وفروعها هو اللّه عز وجل وبين إشراكهم به تعالى ما لا يقدر على شيء. قوله: (أو على تصديقك) من إضافة المصدر إلى مفعوله أي أو على تصديق اللّه تعالى إياك بحملهم على الإقرار بما هو حجة عليه المستلزم لتبكيتك إياهم بالحجة. قوله:
(فيتناقضون) يعني أن كلمة «بل» للإضراب عن الأول والأخذ فيما هواهم فإنه تعالى ذكر أولا أنهم أقروا بما يدل على التوحيد ويناقض سلوكهم طريق الشرك، ثم انتقل إلى ما هو أهم وهو بيان أنهم مسلوبو العقول فلا يبعد عنهم مثل هذه الجهالة والمناقضة فهو إضراب عن إظهار جهلهم الخاص إلى بيان أن شأنهم الجهل مطلقا، فعلى هذا يكون قوله: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ اعتراضا بين المنتقل منه والمنتقل إليه، وعلى الثاني يكون جملة الإضراب من تتمة قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ ومعنى الإضراب أنهم إذا لم يفطنوا بتلك المناقضة الظاهرة فأولى أن لا يفطنوا أنك لم حمدت اللّه تعالى عند اعترافهم بذلك. قوله: (إشارة تحقير) فإنه قد ينزل قرب الدرجة ودناءة المنزلة منزلة قرب المسافة فيشار إليه بلفظ القريب كقول الكفرة في حق إبراهيم عليه الصلاة والسّلام أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [الأنبياء: 36] واللهو ما يتلذذ به الإنسان ويجعله مشتغلا به معرضا بسببه عما بهم ويلهيه ساعة ثم ينقضي. قوله:
(لهي دار الحياة) جواب عما يقال: كيف أطلق الحيوان بمعنى الحياة أو بمعنى النامي الحساس على الدار الآخرة مع أنها ليست عبارة عن الحياة ولا بنام حساس؟ وتقرير الجواب