حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 528
المشركين وغلبتهم في رهانهم وازدياد يقينهم وثباتهم في دينهم. وقيل: بنصر اللّه المؤمنين بإظهار صدقهم أو بأن ولى بعض أعدائهم بعضا حتى تفانوا.
يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ فينصر هؤلاء تارة وهؤلاء أخرى. وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) ينتقم من عباده بالنصر عليهم تارة ويتفضل عليهم ينصرهم أخرى.
وَعْدَ اللَّهِ مصدر مؤكد لنفسه لأن ما قبله في معنى الوعد لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ لامتناع الكذب عليه. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6) وعده ولا صحة وعده لجهلهم وعدم تفكرهم.
يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا ما يشاهدونه منها والتمتع بزخارفها.
وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ التي هي غايتها والمقصود منها. هُمْ غافِلُونَ (7) لا تخطر ببالهم. و «هُمْ» الثانية تكرير للأولى أو مبتدأ و «غافِلُونَ» خبره والجملة خبر الأولى. وهو على الوجهين مناد على تمكن غفلتهم عن الآخرة المحققة لمقتضى الجملة المتقدمة المبدلة من قوله: «لا يعلمون» تقريرا لجهالتهم وتشبيها لهم بالحيوانات المقصور إدراكها من الدنيا على بعض ظاهرها، فإن من العلم بظاهرها معرفة حقائقها وصفاتها وخصائصها وأفعالها وأسبابها وكيفية صدورها منها وكيفية التصرف فيها ولذلك نكر ظاهرا. وأما باطنها فإنها مجاز إلى الآخرة ووصلة إلى نيلها وأنموذج لأحوالها وإشعارا بأنه لا فرق بين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في رهانهم) هو مصدر بمعنى المراهنة والمناحبة والغالب فيهما يستحق السبق وهو بفتحتين الخطر الذي يتراهن عليه ويوضع بين أهل السباق ويقال: أخطر المال إذا جعله خطر أبين المتراهنين. قوله: (وقيل بنصر اللّه المؤمنين) عطف على قوله: «بنصر اللّه» من له كتاب وهو الروم على من لا كتاب له وهو فارس. قوله: (لأن ما قبله في معنى الوعد) فإن قوله تعالى: سَيَغْلِبُونَ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ وعد من اللّه تعالى بالنصرة فأكده بقوله وَعْدَ اللَّهِ وعامله مضمر أي وعدهم اللّه ذلك وعدا. ثم قدر معنى هذا المصدر بقوله:
لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ أي فيظهر الروم على فارس وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يعني كفار مكة لا يَعْلَمُونَ وعده حيث ينكرون الرسالة والوحي. قوله: (وهو على الوجهين منادى على تمكن غفلتهم عن الآخرة) يعني أن هذا الكلام سواء كانت «هم» الثانية تكريرا للأولى وكان «غافلون» خبرا للأولى أو كانت مبتدأ ما بعدها خبرها وكانت الجملة خبر الأولى يدل على اختصاص الغفلة عن الآخرة بهم، وأن الغفلة لا تثبت ولا تستقر إلا فيهم وهو معنى تمكنها فيهم. وقوله: «المحققة» صفة غفلتهم والمراد بالجملة المتقدمة قوله: «يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا» . وأشار إلى أن هذه الجملة بدل من قوله: «لا يعلمون» وكل واحد من قوله تقريرا وتشبيها وإشعارا منصوب على أنه مفعول له لقوله: «المبدلة» . علّل إبدال قوله:
يَعْلَمُونَ من قوله: لا يَعْلَمُونَ بثلاث علل: الأولى تقرير جهالتهم المدلول عليها