حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 530
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ تقرير لسيرهم في أقطار الأرض ونظرهم إلى آثار المدمرين قبلهم كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً كعاد وثمود. وَأَثارُوا الْأَرْضَ وقلبوا وجهها لاستنباط المياه واستخراج المعادن وزرع البذور وغيرها. وَعَمَرُوها وعمروا الأرض أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها من عمارة أهل مكة إياها فإنهم أهل واد غير ذي زرع لا تبسط لهم في غيرها. وفيه تهكم بهم من حيث إنهم مغترون بالدنيا مفتخرون بها وهم أضعف حالا فيها إذ مدار أمرها على التبسط في البلاد والتسلط على العباد والتصرف في أقطار الأرض بأنواع العمارة وهم ضعفاء ملجئون إلى واد لا نفع له. وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إرادة شريكه ضد ما أراده، وأيضا حصل له العلم بحقيقة الحشر والجزاء لأنه إذا تفكر في نفسه يرى قواه صائرة إلى الزوال وأجزاءه مائلة إلى الانحلال فيقطع بأنه سيفنى عن قريب، فلو لم يكن له حياة أخرى لكان خلقه على هذا الوجه عبثا كما أشير إليه بقوله تعالى:
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا [المؤمنون: 115] وهذا ظاهر لأنه من بالغ في تدبير شيء سيفنى عن قريب بالكلية وصوره أحسن تصوير واعتنى في انتظام أحواله أبلغ ما يمكن من الاعتناء مع علمه بأنه عن قريب يصير كأن لم يكن شيئا مذكورا يضحك منه ويتعجب من سفاهته.
فمن تفكر في شأن نفسه على هذا الوجه علم أنه تعالى خلقه للبقاء ولا بقاء إلا بالحشر والإحياء، فظهر أن تفكر الإنسان في أمر نفسه يؤديه إلى القطع بأن العالم له إله واحد قادر على الإبداء والإعادة فيكون قوله: ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِ جملة مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها ذكرت بعد إقامة دليل الأنفس استدلالا بدليل الآفاق فمعنى الآية على هذا الوجه: أولم يتفكروا في خلق السموات والأرض فيعلموا أن اللّه تعالى لم يخلقها عبثا ولا جزافا، ولكن ليعتبر بها عباده وليستدلوا بها على وحدانيته وكمال قدرته، وأنه إنما خلقها لمنافع عباده بلاغا لهم في دار التكليف عونا لاكتساب ما يسعدهم في دار الجزاء وهو معنى قوله: بِالْحَقِ والباء فيه إما سببية أو حالية أي ما خلقها إلا للحق أو ملتبسة بالحق مقرونة به لا باطلا ولا عبثا خاليا عن حكمة بالغة ولا لتبقى خالدة، وإنما خلقها مؤجلة بأجل مسمى ونفوس البشر مندرجة في مفهوم قوله: وَما بَيْنَهُما ثم إنه تعالى لما أرشد إلى ما يؤدي إلى العلم بحقيقة الآخرة وأن السموات والأرض وما بينهما جميعا مخلوقة للانتهاء إلى أجل مسمى هدد الغافلين عن الآخرة المصرين على الكفر وتكذيب الأنبياء بقوله: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ وهو استفهام تقرير لمسيرهم ونظرهم إلى آثار المدمرين قبلهم. وبعد تقرير ذلك ذكر أن أهل مكة أولى بالهلاك لأن من تقدم من عاد وثمود كانوا أشد من أهل مكة قوة وأكثر مالا وعمارة ولم ينفعهم قواهم ولم يمنعهم من