حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 558
سد مسد الجزاء، ولذلك فسر بالاستقبال وهذه الآيات ناعية على الكفار بقلة تثبتهم وعدم تدبرهم وسرعة تزلزلهم لعدم تفكرهم وسوء رأيهم، فإن النظر السوي يقتضي أن يتوكلوا على اللّه ويلتجئوا إليه بالاستغفار إذا احتبس القطر عنهم ولم ييأسوا من رحمته، وأن يبادروا إلى الشكر والاستدامة بالطاعة إذا أصابهم برحمته ولم يفرطوا في الاستبشار وأن يصبروا على بلائه إذا ضرب زروعهم بالاصفرار ولم يكفروا نعمه.
فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وهم مثلهم لما سدوا عن الحق مشاعرهم. وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52) قيد الحكم به ليكون أشد استحالة، فإن الأصم المقبل وإن لم يسمع الكلام تفطن منه بواسطة الحركات شيئا.
وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ سماهم عميا لفقدهم المقصود الحقيقي من الإبصار أو لعمي قلوبهم. إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فإن إيمانهم يدعوهم إلى تلقي اللفظ وتدبر المعنى. ويجوز أن يراد بالمؤمن المشارف للإيمان. فَهُمْ مُسْلِمُونَ (53) لما تأمرهم به.
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ أي ابتدأكم ضعفاء وجعل الضعف أساس أمركم كقوله: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا [النساء: 28] أو خلقكم من أصل ضعيف وهو النطفة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعالى رؤوف بالعباد ليس من شأنه الإفراط في التعذيب فلذلك ترى الرياح النافعة تهب في الليالي والأيام وفي البراري والآكام وريح السموم لا تهب إلا في بعض الأزمنة وفي بعض الأمكنة. وعبّر عن الريح النافعة بلفظ الجمع وعن الضارة بلفظ الواحد، ومنه قوله عليه الصلاة والسّلام: «اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» وذلك لأن النافعة كثيرة الأنواع والأفراد والضارة لا تهب إلا نادرا. قوله: (ولذلك) أي ولكونه سادا مسد الجزاء فسر بالاستقبال لأن كل واحد من الشرط والجزاء لا بد أن يكون مستقبلا وإن كان على لفظ الماضي. قوله: (ناعية على الكفار) أي شاهدة عليهم مفضحة إياهم بما ذكر من الفضائح يقال: نعى عليه هفواته إذا شهره بها. ثم إنه تعالى لما أعاد من دلائل الآفاق قوله: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ الآية أعاد دليلا من دلائل الأنفس أيضا وهو خلق الآدمي فقال: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ. قوله: (أي ابتدأكم ضعفاء) أي خلقكم أول ما خلقتم في حال كونكم أجنة وأطفالا ضعفاء لا تقوون على شيء ولا يقوى شيء منكم على شيء، فصار كأن الضعف مبتدأ تكوينكم ومادة خلقتكم، فكلمة «من» لابتداء الغاية جعل حالة الضعف أساس أمرهم ومبدأ جبلتهم والضعف على حقيقته، وكون الإنسان مخلوقا منه مجاز فإنه لما كان في بدء أمره ضعيفا جعل كأنه خلق من الضعف. وعلى تقدير أن يكون المعنى خلقكم من أصل ذي ضعف وهو النطفة يكون الضعف مجازا، وكون الإنسان مخلوقا منه حقيقة. فعلى تقدير كون قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ بمعنى ابتدأكم ضعفاء يكون قوله: ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ