حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 559
ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً وذلك إذا بلغتم الحلم أو تعلق بأبدانكم الروح. ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً إذا أخذ منكم السر. وفتح عاصم وحمزة الضاد في جميعها والضم أقوى لقول ابن عمر رضي اللّه عنه: قرأتها على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من ضعف فأقرأني من ضعف. وهما لغتان كالعقر والعقر والتنكير مع التكرير لأن المتأخر ليس عين المتقدم. يَخْلُقُ ما يَشاءُ من ضعف وقوة وشيبة وشبيبة. وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54) فإن الترديد في الأحوال المختلفة مع إمكان غيره دليل العلم والقدرة.
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ القيامة سميت بها لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا، أو لأنها تقع بغتة وصارت علما لها بالغلبة كالكوكب للزهرة. يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا في الدنيا أو في القبور أو فيما بين فناء الدنيا والبعث وانقطاع عذابهم. وفي الحديث: «ما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ضَعْفٍ قُوَّةً بمعنى ثم جعلكم من بعد الضعف أقوياء تقوون على أشياء كثيرة ثم جعلكم من بعد تلك القوة والقدرة ضعفاء شيوخا لا تقدرون على شيء مما تقدرون عليه قبل، وعلى تقدير كونه بمعنى خلقكم من أصل ذي ضعف يكون معنى ما بعده ثم خلق من بعد الضعف الكائن في ذلك الأصل قوة بتعلق الروح به وصيرورته إنسانا يقوى على ما لا يقوى عليه ذلك الأصل ثم جعله شيخا فانيا كما قال: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا [الحج: 5] .
قوله: (والتنكير) أي تنكير ما ذكر ثانيا وهو الذي دفع به تكرير الأول لأجل أن المتأخر ليس عين المتقدم، فإن النكرة إذا أعيدت معرفة تكون الثانية عين الأولى، وههنا لما لم تكن الثانية عين الأولى أعيدت نكرة، وهذا ظاهر على تقدير أن يكون الضعف الأول بمعنى الضعيف أو بتقدير المضاف والثاني على أصل معناه وليس بظاهر على الأول إلا أن يكون المراد بالضعف المخلوق منه ضعف المخاطبين كما يشعر به قوله: «ابتدأكم ضعفاء» وتنظيره بقوله تعالى: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا [النساء: 28] وبالضعف الثاني جنس الضعف وحقيقته. قوله: (فإن الترديد في الأحوال المختلفة الخ) إشارة إلى وجه مناسبة قوله:
وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ بتقديم العليم على القدير بعد تخصيصهما بالذكر. ثم في الآية دلالة على صحة البعث من حيث إن من قدر على أن يرد الحي في آخر حياته إلى أول حاله فغير بعيد أن يرده بعد موته إلى ما كان عليه في أول أمره. قوله: (لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا) يعني أن ساعات الدنيا أجزاء من أجزاء الزمان وسمي ما وقع في آخر ساعة من ساعات الدنيا ساعة بطريق تسمية الحال باسم المحل مجازا، أو لأن الساعة بمعنى السرعة والبغتة كما يقول المستعجل: افعله في ساعة، والقيامة لما كانت بحيث تقع بغتة وفجأة سميت ساعة. ولما ذكر اللّه دلائل قدرته التامة واستدل بذلك على صحة البعث وقال: