حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 566
الذي لا يغلبه شيء فيمنعه عن إنجاز وعده ووعيده الْحَكِيمُ (9) الذي لا يفعل إلا ما تستدعيه حكمته.
خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها استئناف وقد سبق في الرعد وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ جبالا شوامخ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ كراهة أن تميل بكم، فإن بساطة أجزائها تقتضي تبدل أحيازها وأوضاعها لامتناع اختصاص كل منها لذاته أو لشيء من لوازمه بحيز ووضع معينين. وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10) من كل صنف كثير المنفعة. وكأنه استدل بذلك على عزته التي هي كمال القدرة وحكمته التي هي كمال العلم ومهد به قاعدة التوحيد وقررها بقوله:
هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ هذا الذي ذكر مخلوقه فماذا خلق آلهتكم حتى استحقوا مشاركته؟ و «ماذا» نصب «بخلق» أو «ما» مرتفع بالابتداء وخبره «ذا» بصلته و «أروني» معلق عنه بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (11) إضراب عن تبكيتهم إلى التسجيل عليهم بالضلال الذي لا يخفى على ناظر. ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أنهم ظالمون بإشراكهم.
وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ يعني لقمان بن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كما في قولك: له عليّ ألف درهم اعترافا. وقوله: «حقا» أكد مضمون تلك الجملة أيضا إلا أن مضمونها له محتمل غير الحقيقة لأن كل وعد من حيث هو وعد ليس بحق فكأن تأكيدا لغيره. ثم إنه تعالى لما وصف نفسه بأنه هو العزيز الحكيم بيّن ذلك بقوله: خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها فالعمد جمع عماد وهو الأسطوانة سميت عمادا لكونه ما فوقها يعتمد عليها.
قوله: (بغير عمد) حال من «السموات» وقوله: «ترونها» صفة «العمد» والضمير الذي فيه راجع إلى العمد أي بغير عمد مرئية وإن كان هناك عمد غير مرئية هي قدرة اللّه تعالى وإرادته. ويحتمل أن يكون «ترونها» جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب جيء بها لبيان أن السموات خلقت بغير عمد فيكون الضمير المنصوب فيها راجعا إلى السموات، كأنه لما قيل خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ قيل: وما الدليل عليه؟ فأجيب:
ترونها غير معمودة كما تقول لصاحبك: أنا بلا سيف ولا رمح تراني. قوله: (شوامخ) أي شواهق مرتفعات. والرواسي من الجبال الثوابت الرواسخ واحدتها راسية من رسا الشيء يرسو أي ثبت. قوله: (وماذا نصب بخلق) على أن يكون «ماذا» بمنزلة اسم واحد وهو أي شيء فيحكم على موضعه بحسب ما يقتضيه العامل وهو ههنا محله النصب، وعلى الثاني تكون «ذا» بمعنى الذي. و «ما» للاستفهام والتقدير: أروني ما الذي خلقوا