حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 569
عامَيْنِ وفطامه في انقضاء عامين، وكانت ترضعه في تلك المدة. وقرئ «وفصله» وفيه دليل على أن أقصى مدة الرضاع حولان. أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ تفسير «لوصينا» أو علة له أو بدل من «والديه» بدل الاشتمال. وذكر الحمل والفصال في البين اعتراض مؤكد للتوصية في حقها خصوصا. ومن ثمة قال عليه الصلاة والسّلام لمن قال له: من أبر؟ قال: «أمك ثم أمك ثم أمك» ثم قال بعد ذلك: «ثم أباك» إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفطامه) وهو أن يفصل الولد عن الأم كيلا يرضع. الجوهري: فطام الصبي فصاله عن أمه ويطلق الفطم على القطع فيقال: فطمت الحبل وفطمت الرجل عن عادته أي قطعته. ولما كان قوله: «وفصاله» مبتدأ وقوله: «في عامين» خبره كان المعنى: وفصاله يقع في عامين وليس فيه تعيين مدة الرضاع فلذلك فسره بقوله: «وفطامه في انقضاء عامين» على معنى أن انقضاءهما هو الغاية التي لا يتجاوز عنها الإرضاع، والأمر فيما بين العامين موكول إلى اجتهاد الأم إن علمت أنه يقوى على الفطام فلها أن تفطمه ويدل عليه قوله تعالى:
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ [البقرة: 233] وبه استشهد الإمام الشافعي على أن مدة الرضاع سنتان لا تثبت حرمة الرضاع بعد انقضائها من وقت الولادة وهو مذهب أبي يوسف ومحمد رحمهما اللّه. وأما عند أبي حنيفة فمدة الرضاع ثلاثون شهرا استدلالا بقوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا [الأحقاف: 15] حيث جعل المدة المذكورة مدة لكل واحد من الحمل والفصال، لكن قول عائشة رضي اللّه عنها: لا يبقى الولد في رحم أمه أكثر من سنتين ولو بفلكة مغزل، بيّن أن أكثر مدة الحمل سنتان لأن مثله لا يعرف قياسا بل سماعا من الشارع وبه يثبت النسخ وبقيت المدة المذكورة في حق الفصال، فلما كانت مدة الرضاع عنده ثلاثين شهرا قيل: إن هذه الآية عنده لبيان الرضاع المستحق على الأم لا لبيان المدة التي ينتهي حكم الرضاع عندها. قوله: (تفسير لوصينا) لأن التوصية في معنى القول إلا أن الموصى به هو بر الوالدين فالظاهر أن تفسير التوصية ببرهما بالترغيب في شكرهما بأن يقال: أن اشكر لوالديك لكونهما سببا ظاهريا لوجودك وتربيتك إلا أنه تعالى لما كان سببا حقيقيا لوجود الكائنات وتربيتها وكان شكر الوالدين والاعتراف بحقهما عليه من حيث إن نعمة اللّه تعالى ظهرت من جهتهما كانت الوصية ببر الوالدين في الحقيقة عبارة عن البعث على شكره تعالى بالتوحيد والعبادة له وشكر الوالدين ببرهما لمقابلة إحسانهما إليه، فلذلك فسرت الوصية ببر الوالدين بقوله: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ قوله: (أو علة له) أي وصيناه ببر الوالدين لشكرنا ولشكر والديه. قال سفيان بن عيينة في هذه الآية: من صلى صلاة الخمس فقد شكر اللّه تعالى، ومن دعا لوالديه في إدبار الصلوات الخمس فقد شكر والديه، فإن كان بدلا من والديه يكون التقدير: ووصينا الإنسان