حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 573
الحال أو تمرح مرحا أو لأجل المرح وهو البطر إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (18) علة للنهي وتأخير الفخور مقابل للمصعر خده، والمختال للماشي مرحا ليوافق رؤوس الآي.
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ توسط فيه بين الدبيب والإسراع. وعنه عليه الصلاة والسّلام:
«سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن» . وقول عائشة: رضي اللّه عنها كان إذا مشى أسرع.
فالمراد ما فوق دبيب المتماوت. وقرئ بقطع الهمزة من أقصد الرامي إذا سدد سهمه نحو الرمية. وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ وأنقص منه وأقصر إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تمش تمرح مرحا والجملة حال من فاعل تمش. والثالث أنه مفعول له والمعنى: لا يكن غرضك في المشي البطالة والفرح كما يمشي كثير من الناس كذلك لا لكفاية مهم ديني أو دنيوي كقول عمر رضي اللّه عنه:
يا فارغا مهملا ما لي أريتك لا ... في أمر دنيا ولا في أمر آخرة
ويشهد بصحة هذا التوجيه قوله تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النَّاسِ [الأنفال: 47] أي ولرؤية الناس إياهم. قوله: (علة للنهي) يعني أن الآية من قبيل اللف والنشر فإن عدم محبته تعالى المختال علة لقوله: لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا وعدم محبته الفخور علة لقوله: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ إلا أنه لم يراع في النشر ترتيب اللف رعاية لفواصل الآي. والاختيال مشية التكبر والفخر ذكر المناقب للتطاول بها على السامع. قوله: (وقول عائشة رضي اللّه عنها) جواب عما يقال: كل واحد من قوله تعالى حكاية عن لقمان وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ومن الحديث المروي يدل على أن سرعة المشي ليس من دأب المؤمنين، وقد روي عن عائشة رضي اللّه عنها أنها نظرت إلى رجل كاد يموت تهافتا وتضاعفا فقالت: ما لهذا؟ فقيل: إنه من القراء. فقالت: كان عمر رضي اللّه عنه سيد القراء وكان إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع. فقد أسندت سرعة المشي إلى عمر رضي اللّه عنهما، فظاهرهما متنافيان. وتقرير الجواب أن الإسراع المذموم هو ما يكون متجاوزا حد القصد في المشي وهو الإسراع المفرط، والذي أسند إلى عمر رضي اللّه عنه ليس كذلك بل المراد به ما فوق دبيب المتماوت وهو الذي يرى من نفسه الموت وليس بميت كالمتمارض الذي يظهر من نفسه المرض وليس بمريض.
قوله: (وأنقص منه) أي أنقص شيئا منه، فإن الظاهر أن مفعول «اغضض» محذوف و «من صوتك» صفة له و «من» للتبعيض. ويجوز أن يكون «من صوتك» مفعول «اغضض» على أن تكون «من» زائدة على مذهب الأخفش، ويؤيده قوله تعالى: يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ [الحجرات: 3] .