حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 574
أوحشها لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) والحمار مثل في الذم سيما نهاقه ولذلك حسنه فيقال:
طويل الأذنين، وفي تمثيل الصوت المرتفع بصوته. ثم إخراجه مخرج الاستعارة مبالغة شديدة وتوحيد الصوت لأن المراد تفضيل الجنس في النكير دون الآحاد، أو لأنه مصدر في الأصل.
أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ بأن جعلنا أسبابا محصلة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والحمار مثل في الذم) يعني أنه إذا أطلق على غير مسماه الحقيقي إنما يطلق عليه على طريق الذم البليغ والشتيمة تشبيها له بأصل مسماه في أخس أوصافه وهي البلادة والعراء من خواص الآدمية، فكان جاريا مجرى المثل السائر الذي يضرب في مقام الذم والتهجين، وكذا نهاقه فإنه أيضا غاية في ذم ما أطلق عليه من الصوت. قوله: (ولذلك) أي ولكون مسماه في غاية الدناءة والحقارة يحترزون عن التصريح باسمه بل يكنون عنه بقولهم: طويل الأذنين كما يكنون عن الأشياء المستقذرة.
قوله: (وفي تمثيل الصوت المرتفع بصوته الخ) إشارة إلى أن قوله: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ جملة مستأنفة جيء بها لتعليل الأمر بغض الصوت كأنه قيل له:
لم أغض الصوت؟ فأجيب بأنك إذا رفعت صوتك كنت بمنزلة الحمار في أخس أحواله أي كان صوتك بمنزلة النهاق في نفرة الطباع عنه مع خلوه عن الفائدة. ثم ترك المشبه وأداة التشبيه واقتصر على ذلك المشبه به على طريق الاستعارة التصريحية للمبالغة في ذم المشبه وتهجينه وفي حث المخاطب على غض صوته والاحتراز عن رفعه. قوله: (وتوحيد الصوت) يعني أن الحمير جمع حمار فينبغي أن يعبر عن الصوت المضاف إليها بلفظ الجمع أيضا لأن صوت الجماعة لا يكون واحدا إلا أنه وحد المضاف إما لأنه مصدر في الأصل فواحده يفيد لفظ الجمع منه، أو لأنه ليس المراد أن يذكر صوت كل واحد من آحاد هذا الجنس ويقصد تفضيله على أصوات سائر الأجناس التي لها صوت حتى يجمع بل المراد تفضيل صوت هذا الجنس على أصوات غيره، فيكون المراد من المضاف الجنس فلا وجه لجمعه فوجب توحيده. فإن قيل: إذا كان المراد تفضيل جنس الصوت المقيد بالإضافة إلى جنس الحمير كان ينبغي أن يوحد المضاف إليه أيضا. قلنا: الجمع المحلى بالألف يضمحل عنه معنى الجمعية ويراد به الجنس فإنه إذا قيل: العصبة كل من يأخذ بقية الفرائض يكون المعنى: من يأخذ ما بقي من جنس الفريضة وهي السهم المقدر ضرورة أن اجتماع الفروض في المسألة ليس شرطا في العصوبة، فكذا لفظ الحمير يراد به الجنس لا الآحاد. ثم إنه تعالى لما استدل على عزته وحكمته بقوله: خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها الآية ومهد به قاعدة التوحيد ثم بكت المشركين بقوله: هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ثم أضرب عن تبكيتهم إلى التسجيل عليهم بالضلال المبين ثم أورد قصة لقمان للدلالة على ما