حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 581
وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29) عالم بكنهه.
ذلِكَ إشارة إلى الذي ذكر من سعة العلم وشمول القدرة وعجائب الصنع واختصاص الباري بها. بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُ بسبب أنه الثابت في ذاته الواجب من جميع جهاته أو الثابت إلهيته. وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ المعدوم في حد ذاته لا يوجد ولا يتصف إلا بجعله أو الباطل إلهيته. وقرأ البصريان والكوفيون غير أبي بكر بالياء. وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30) مترفع على كل شيء ومتسلط عليه.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ بإحسانه في تهيئة أسبابه وهو استشهاد آخر على باهر قدرته وكمال حكمته وشمول إنعامه. والباء للصلة أو الحال.
وقرئ «الفلك» بالتثقيل و «بنعمات اللّه» بسكون العين وقد جوّز في مثله الكسر والفتح والسكون. لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ دلائله إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يجري لأجل مسمى يكون إدراك الأجل غرضا مطلوبا من الجري حقيقة إن قلنا إن كل واحد من الكواكب السيارة والأفلاك له شعور وحركة إرادية أو مجازا مبنيا على تشبيه عاقبة الشيء بالعلة الحاملة إن قلنا إنها جمادات لا شعور لها ولا غرض.
قوله تعالى: (وَ أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) قرأ أبو عمرو في رواية بياء الغيبة، والباقون بتاء الخطاب. والظاهر أن الخطاب للمشركين وأن الآية احتجاج عليهم وتهديد ووعيد لهم وقوله: «ألم تر» خطاب عام والمراد من الرؤية العلم الجلي المنزل منزلة الرؤية، والمشركون وإن لم يعلموا إحاطة علم اللّه تعالى بتفاصيل أعمال عباده إلا أنهم نزلوا منزلة من يعلم بها لتمكنهم من العلم بها بأدنى التفات لكثرة دلائل العلم بها ووضوحها. قوله: (إشارة إلى الذي ذكر) أي ذكره اللّه تعالى من عجائب صنعه واعتراف المشركين باختصاصه تعالى بخلقها ووصف نفسه بأنه عزيز كامل القدرة لا نهاية لمقدوراته، وأنه حكيم كامل العلم لا نهاية لمعلوماته، وأنه هو الغني الحميد، وأنه سميع بصير، وأنه بما يعملون خبير، وأنه عليم بذات الصدور، وبعد إجراء تلك الصفات على الذات المتميزة بها أشار إليها من حيث ثبوتها لموصوفها بقوله ذلك وحكم بأنها إنما ثبتت له لأنه هو الإله الثابت إلهيته لما تقرر في العقول أن هذه الصفات لوازم الألوهية المساوية لها وإن تحقق الملزوم يستلزم تحقق لوازمه، فاستدل في الآية بتحقق لوازم الألوهية على كونه تعالى ثابتا في ذاته أو ثابتا آلهيته. قوله:
(وقد جوّز في مثله) أي قيل: كل ما كان على فعلة يجوز في جمعه ثلاث لغات: فعلات بسكون العين، وفعلات بفتحها، وفعلات بكسرها نحو: سدرة وسدرات وسدرات وسدرات.
قوله: (لكل صبّار) أي على مشاق التفكر في إصابة الحق شكور بصرف القوى الفكرية إلى