حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 588
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: «قَوْمًا» مفعول أول للإنذار وقوله: «ما أَتاهُمْ» جملة منفية في محل النصب على أنها صفة «قوما» والمفعول الثاني للإنذار محذوف أي لتنذرهم العذاب إن أصروا على كفرهم ولم يؤمنوا بك وبكتابك. فإن أنذر يتعدى إلى اثنين قال تعالى: فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً [فصّلت: 13] ويحتمل أن تكون كلمة «ما» في قوله: «ما أَتاهُمْ» موصولة في محل النصب على أنها المفعول الثاني للإنذار والتقدير: لتنذر قوما العقاب الذي أتاهم من نذير من قبلك على أن «مِنْ نَذِيرٍ» متعلق «بأتاهم» أي أتاهم العقاب على لسان نذير من قبلك، وكذا الحال في قوله تعالى: لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ [يس: 6] أي لتنذر قوما العقاب الذي أنذره آباؤهم ف «ما» مفعوله في الموضعين. والمراد بالقوم أهل الفترة وهم الذين كانوا بين عيسى عليه الصلاة والسّلام ومحمد عليه الصلاة والسّلام، ومعنى عدم إتيان النذير إليهم أنهم ضيعوا شريعة عيسى عليه الصلاة والسّلام وضلوا بالكلية باتباع الأهواء الفاسدة فاقتضت الحكمة الإلهية أن يرسل إليهم رسولا يدعوهم إلى التوحيد والطاعة وينذرهم عذاب اللّه تعالى إن أصروا على الضلالة، وما أتاهم من نذير مع احتياجهم إلى إتيانه حيث لم يبق على وجه الأرض عالم يهديهم وينتفع بهدايته فبقوا على ذلك سنين متطاولة فلم يأتهم رسول قبل بعثة رسول اللّه عليه الصلاة والسّلام، فكانوا قوما ما أتاهم من نذير بعد الضلال الذي حدث بانطماس الشريعة المتقدمة. وقيل: المراد بالقوم العرب فإنهم أمة أمية لم يأتهم نذير قبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهذا بعيد، فإنهم كانوا من أولاد إبراهيم عليه الصلاة والسّلام وجميع أنبياء بني إسرائيل أولاد أعمامهم وكيف يتجاسر على أن يقال: إنه تعالى ترك قوما من ابتداء نشأتهم إلى زمان نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم بلا دين ولا شرع؟ وإن أريد بالعرب طائفة مخصوصة منهم وهي أهل العصر الواقع قبل عصر النبوة لزم تخصيص العام بلا مخصص، لأن القوم الموصوفين بأنه ما أتاهم من نذير من قبلك يعم جميع أهل العصر الواقع قبل بعثة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سواء كان من مشركي العرب أو من أهل الكتاب فحمله على العرب خاصة تخصيص بلا دليل. والترجي المستفاد من قوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ من جهة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كما كان ذلك من جهة موسى وهارون عليهما الصلاة والسّلام في قوله تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ [طه: 44] فالمعنى: لتنذرهم راجيا أنت اهتداءهم.
ثم إنه تعالى لما بيّن حقيقة الرسالة والتنزيل وبيّن ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد وإقامة البرهان عليه قال: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ فقوله: «اللّه» مبتدأ والموصول مع صلته خبره، وقد اتفق المشركون على أنه تعالى لا شريك له في خلقها فكذا لا شريك له في الألوهية.