حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 589
الْعَرْشِ مرّ بيانه في الأعراف. ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ ما لكم إذا جاوزتم رضى اللّه أحد ينصركم ويشفع لكم، أو ما لكم سواه ولي ولا شفيع بل هو الذي يتولى مصالحكم وينصركم في مواطن نصركم، على أن الشفيع متجوز به للناصر فإذا خذلكم لم يبق لكم ولي ولا ناصر أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (4) بمواعظ اللّه.
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مر بيانه في الأعراف) وهو قوله: «فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ» أي في ستة أوقات كقوله:
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ [الأنفال: 16] أو مقدار ستة أيام فإن المتعارف في اليوم زمان من طلوع الشمس إلى غروبها ولم يكن حينئذ، وفي خلق الأشياء مدرجة مع القدرة على إيجادها دفعة دليل الاختيار واعتبار للنظار وحث على التأني في الأمور. فلما كان تعالى منزها عن الاستقرار والتمكن جعل الاستواء على العرش كناية عن نفاذ قدرته وتصرفه في مخلوقاته، لأن الجلوس على العرش من لوازم الملك والاستيلاء فأطلق اللازم وأريد به الملزوم.
والاستواء على العرش من جملة المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا اللّه عند بعض العلماء حتى قيل: تأويله الإيمان به وأن يفوض العلم بأن المراد منه ما هو إلى اللّه قال:
ورب العرش فوق العرش لكن ... بلا وصف التمكن واتصال
قوله: (ما لكم إذا جاوزتم رضى اللّه تعالى) لما كان ظاهر اللفظ يدل على أنه ليس لنا ولي ولا شفيع غير اللّه فإن ولينا وشفيعنا هو اللّه تعالى وحده، واللّه تعالى منزه عن أن يكون شفيعا ليستشفع به إلى أحد. ولذلك رد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على أعرابي قال: استشفع باللّه إليك. أشار المصنف إلى أن ذلك المعنى إنما يفهم إذا كان قوله من دون اللّه بمعنى من غير اللّه وليس كذلك، بل المعنى ما لكم مجاوزين للّه أي مجاوزين رضاه وامتثال أمره وطاعته ولي ولا شفيع فيكون «من دونه» حالا من «كم» في «لكم» والعامل معنى الاستقرار الذي تعلق به لكم أي ما استقر لكم مجاوزين رضى اللّه وامتثال أمره شفيع يشفع لكم وناصر ينصركم. وفي الكلام حذف مضاف أي من دون رضاه ومن استعمال دونه في معنى المجاوزة قول الشاعر:
يا نفس ما لك دون اللّه من واق
أي ما لك إذا جاوزت وقاية اللّه أحد يقيك. ثم أشار إلى توجيه آخر بقوله: أو ما لكم سواه ولي ولا شفيع وتقريره: سلمنا أن معنى من دون اللّه من غير اللّه لكن إنما يفهم ذلك المعنى المهروب منه أن لو كان الشفيع على أصل معناه وليس كذلك بل هو بمعنى الناصر، لأن الشفاعة تستلزم النصرة فأطلق الملزوم وأريد اللازم فيكون «من دونه» حالا «من ولي ولا شفيع» قدم على ذي الحال لكونه نكرة فإن قيل: كيف قدم على ذي الحال المجرور وقد صرح ابن الحاجب في الكافية بأن الحال لا يتقدم على ذي الحال المجرور في الأصح؟