حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 590
مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ يدبر أمر الدنيا بأسباب سماوية كالملائكة وغيرها نازلة آثارها إلى الأرض ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ثم يصعد إليه ويثبت في علمه موجودا فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) في برهة من الزمان متطاولة يعني بذلك استطالة ما بين التدبير والوقوع. وقيل: يدبر الأمر بإظهاره في اللوح فينزل به الملك ثم يعرج إليه في زمان هو كألف سنة لأن مسافة نزوله وعروجه مسيرة ألف سنة، فإن ما بين السماء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فالجواب أن حرف الجر هنا زائد لا اعتداد به ووجه اتصال قوله تعالى: ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍ بما قبله أنه لما نزل قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ الآية قال بعض المشركين: نحن معترفون بأن خالق السموات والأرض واحد هو اللّه تعالى إلا أن هذه الأصنام صور ملائكة مكرمين عند اللّه نرجو منهم أنهم شفعاؤنا فقال اللّه تعالى: إذا علمتم أنه لا إله غيره فاعلموا أنه لا نصرة من غير اللّه ولا شفاعة إلا بإذن اللّه، فعبادتكم لهذه الأصنام باطلة ضائعة لأنهم ليسوا بخالقكم ولا ناصريكم ولا شفعائكم لأن من بلغ في القدرة وعلو الشأن إلى أن تمكن من خلق هذه الأجسام العظام والتصرف فيها كيف شاء هل يكون عند هذا الملك العظيم الشأن لهؤلاء الأصنام المكونة قدر وحرمة حتى ترجوا منها نصرة وشفاعة وتدبير الأمر النظر في دابره وعاقبته والتفكر فيه؟ قوله: (يدبر أمر الدنيا) أي شأنها وحالها والأمور التي تقع فيها. والمراد بتدبير أمرها القضاء السابق الذي هو الإرادة الأزلية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، جعل القضاء مبتدأ من جانب السماء لكون المقضى منوطا بأسباب سماوية منتهيا إلى الأرض لانتهاء آثار تلك الأسباب إلى الأرض وعروج أمر الدنيا إليه تعالى مجاز عن ثبوته في علمه تعالى موجودا، وعطف عروج الأمر على تدبيره بكلمة «ثم» وقدر زمان العروج بألف سنة من سني الدنيا استطالة لما بين التدبير والوقوع لا للتعيين والتوقيت. قوله: (في برهة من الزمان) أي في مدة متطاولة منه.
قوله: (وقيل يدبر الأمر بإظهاره في اللوح) على أن يكون المراد بالأمر أمر الوحي وتدبيره إظهاره في اللوح وأن يكون قوله: «من السماء» متعلقا بمحذوف أي فينزل به بعض ملائكته من السماء إلى الأرض فيلقى ذلك إلى الذي أمر بإلقائه إليه من الرسل، ثم يعرج ذلك الملك إليه أي إلى الموضع الذي أمر بالعروج إليه من السماء في يوم كان مقداره في نزول الملك إلى الأرض وعروجه منها إلى السماء ألف سنة مما تعدون من أيامكم في الدنيا.
واستطالة نفس اليوم عبارة عن امتداد مسافة نزول الملك وعروجه بكونها مسيرة ألف سنة، فإنه لو سار أحد من بني آدم فيها لم يقطعها إلا في ألف سنة والملائكة يقطعونها في يوم واحد من أيام الدنيا بل في ألطف ساعة منها. فالتدبير عبارة عن كتبه الوحي في اللوح