حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 593
اللام على الوصف فالشيء على الأول مخصوص بمنفصل، وعلى الثاني بمتصل وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ يعني آدم مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ ذريته سميت به لأنها تنسل منه أي تنفصل مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (8) ممتهن
ثُمَّ سَوَّاهُ قومه بتصوير أعضائه على ما ينبغي وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ أضافه إلى نفسه تشريفا وإشعارا بأنه خلق عجيب وأن له شأنا له مناسبة ما إلى الحضرة الربوبية ولاحد من عرف نفسه عرف ربه». وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ خصوصا لتسمعوا وتبصروا وتعقلون قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (9) تشكرون شكرا قليلا
وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أي صرنا ترابا مخلوطا بتراب الأرض لا نتميز منه، أو غبنا. وقرئ «ضللنا»
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشيء بمعنى علمه يكون المعنى: علم كل شيء قبل أن يخلقه أنه كيف يخلقه وكيف يكون إذا خلقه فيكون «كل شيء» مفعولا أولا و «خلقه» مفعولا ثانيا. ومن كون الإحسان بمعنى العلم قول من قال:
وقيمة المرء ما قد كان يحسنن ... والجاهلون لأهل العلم أعداء
أي ما قد كان يعلمه ويحسن علمه بأن يعرفه معرفة حسنة بتحقيق وإتقان لا مطلق العلم. وقيل: معناه أن من زاد علمه زاد في صدور الناس قدره وقيمته وكل من نقص علمه نقص عند الناس جاهه وحشمته. قوله: (فالشيء على الأول) يعني أن خلقه سواء جعل بدلا أو مفعولا ثانيا لا بد من تخصيص الشيء لأنه تعالى لم يخلق كل شيء فضلا عن أن يحسن خلقه أو يحسنه ويتم زينته. والمخصص على الأول الدليل المنفصل وهو العقل فإنه يدل على أن المراد الموجودات الممكنة وعلى الثاني الدليل المتصل وهو الوصف أعني خلقه.
قوله: (لأنها تنسل منه أي تنفصل) يقال: نسل الطائر ريشه ينسل وينسل نسلا أي أسقطه، ونسل الوبر وريش الطائر بنفسه يتعدى ولا يتعدى. قوله تعالى: (وَ جَعَلَ لَكُمُ) التفات من ضمير الغائب المفرد في قوله: «ثم جعل نسله» الخ إلى الخطاب ولم يخاطبهم قبل ذلك لأن الخطاب إنما يكون مع الحي فلما قال: وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ خاطبه بعد ذلك وقال:
وَجَعَلَ لَكُمُ. قوله: (تشكرون شكرا قليلا) إشارة إلى أن قوله: «قليلا» صفة مصدر محذوف للفعل المذكور بعده و «ما» زائدة لتأكيد القلة. قوله تعالى: (وَ قالُوا أَإِذا ضَلَلْنا) معطوف على ما سبق منهم، فإن المشركين كانوا ينكرون الوحدانية والرسالة. وقد أشير إلى الثاني بقوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ وإلى الأول بقوله: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وقد تقرر أن معظم مقاصد القرآن العظيم تمهيد أصول ثلاثة وتقرير دلائلها: التوحيد والرسالة والحشر؛ وأنه تعالى كلما ذكر أصلين من هذه الأصول الثلاثة يذكر الأصل الثالث معهما.
وههنا قد ذكر الرسالة بقوله: تَنْزِيلُ الْكِتابِ إلى قوله: لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ