حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 595
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ يستوفي نفوسكم لا يترك منها شيئا أو لا يبقي منكم أحدا والتفعل والاستفعال يلتقيان كثيرا كتقصيته واسيتقصيته وتعجلته واستعجلته. مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ بقبض أرواحكم وإحصاء آجالكم ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) للحساب والجزاء وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ من الحياء والخزي رَبَّنا قائلين بنا أَبْصَرْنا ما وعدتنا وَسَمِعْنا من تصديق رسلك فَارْجِعْنا إلى الدنيا نَعْمَلْ صالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) إذ لم يبق لنا شك بما شاهدنا وجواب «لو» محذوف وتقديره: لرأيت أمرا فظيعا ويجوز أن يكون للتمني
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الظاهر أن يكون قوله: «أو بتلقي ملك الموت» معطوفا على قوله: «بالبعث» ويكون كل واحد منهما بيانا لطريق لقاء الرب ولقاء موعده إلا أن عطف قوله: «وما بعده» على تلقي ملك الموت يأبى ذلك لأن لقاء ما يلقونه بعد تلقي الملك هو نفس لقاء ما وعده الرب لا طريق لقائه. فينبغي أن يجعل قوله: «بالبعث» وما عطف عليه بيانا أو بدلا من قوله تعالى:
بِلِقاءِ رَبِّهِمْ تفسيرا له ويجعل الكفر بالبعث مغايرا لإنكار البعث المدلول عليه بقوله:
«أنبعث» أو يجدد خلقنا إذا ضللنا فإن إنكار الشيء يكفي فيه مجرد استبعاده والكفر به إنما يكون للقطع بعدم وقوعه. فترتيب النظم أنه تعالى ذكر أولا أنهم قالوا ذلك استبعادا للبعث، ثم أضرب عنه بقوله: بل هم كافرون بالبعث قاطعون بعدم وقوعه أو بقوله: بل هم كافرون بتلقي ملك الموت وما يكون بعده من أمور الآخرة بأسرها لا بالبعث وحده. ويؤيد هذا المعنى أنهم خوطبوا بقوله تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ وتوفي الحق واستيفاؤه أخذه وافيا تاما من غير نقصان، واستيفاء النفس وهي الروح أن تقبض كلها ولا يترك منها شيء أولا يبقى من أصحاب الأرواح أحد كتب عليه الموت. روي أن ملك الموت جعلت له الدنيا مثل راحة اليد يأخذ منها صاحبها ما أحب من غير مشقة فهو يقبض أنفس الخلق من مشارق الأرض ومغاربها وله أعوان من ملائكة الرحمة وأعوان من ملائكة العذاب، فإذا قبض أرواح المؤمنين دفعها إلى ملائكة الرحمة وإذا قبض أرواح الكافرين دفعها إلى ملائكة العذاب. قوله: (ويجوز أن يكون للتمني) لأن كلمة «لو» للتقدير والتمني فيه معنى التقدير لأن المتمني لا يخلو من تقديره وطلب حصوله ولما كان في التمني معنى التقدير استعملت كلمة «لو» للتمني كما في قوله عليه الصلاة والسّلام للمغيرة حين خطب امرأة: «لو نظرت إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» أي يكون بينكما المحبة والاتفاق. والأدم الإلفة والاتفاق يقال: أدم اللّه بينكما أدما أي ألف وأصلح، وعلى تقدير كون «لو» للتمني لا تقتضي جوابا كما هو المشهور. ثم إن التمني يستحيل أن يكون منه تعالى فلا بد أن يكون لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كما أن الترجي له عليه الصلاة والسّلام في قوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ بيّن اللّه تعالى أن