حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 711
وجه له، فمن أين وقع لهم هذه الشبهة، وهذا في غاية التجهيل لهم والتسفيه لرأيهم. ثم هددهم فقال:
وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كما كذبوا وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ وما بلغ هؤلاء عشر ما آتينا أولئك من القوة وطول العمر وكثرة المال، أو ما بلغ أولئك عشر ما آتينا هؤلاء من البينات والهدى. فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (45) فحين كذبوا رسلي جاءهم إنكاري بالتدمير فكيف كان نكيري لهم؟ فليحذر هؤلاء من مثله. ولا تكرير في كذب لأن الأول للتكثير والثاني للتكذيب. أو الأول مطلق والثاني مقيد ولذلك عطف عليه بالفاء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى القائلين بأنهم الكفرة المعاندون الذين حملهم كفرهم على الجراءة على اللّه تعالى وأن يقولوا في حق نبيه وكتابه ودينه ما لا يتفوه به من له أدنى تمييز. والتعريف اللامي إشارة إلى المقول فيه بأنه الحق المبين الذي لا يطعن فيه إلا المكابر المعاند، والبت بهذا القول من مثل ذلك القائل في مثل هذا المقول في غاية القباحة والفضاحة لا سيما إذا كان البت المذكور على سبيل المبادهة من غير تأمل يقال: بادهه أمر أي فاجأه وسلوك هذه الطريقة لا يكون إلا للإيذان بأن الأمر عظيم وأن ارتكابه عجيب غريب. ثم إنه تعالى بيّن أن جوابهم على هذه الأقوال الباطلة عند ما يتلى عليهم الآيات البينات غاية الضلالة ونهاية الجهالة فإن الآيات البينات لا تعارض إلا بالبراهين العقلية أو الكتب السماوية أو ببيان الرسول المؤيد بالمعجزات الباهرة وليس عندهم شيء من ذلك في قولهم: هذا رجل كاذب وأن ما يقرؤه إفك مفترى وأن ما جاء به سحر مبين، وهذا معنى ما نقل عن الفراء أنه قال في تفسير هذه الآية: من أين كذبوك ولم يأت لهم كتاب ولا نبي بيّن لهم صحة طريقهم وكذبك فيما دعوتهم إليه. وقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ أي إلى أهل مكة ومن حولهم من العرب الذين بعثت إليهم، ولا يراد من تقدمه عليه الصلاة والسّلام من العرب لأن إسماعيل عليه الصلاة والسّلام كان مبعوثا قبله إلى العرب. قوله: (وما بلغ هؤلاء) حال من الموصول أي هؤلاء المشركون عشر ما آتينا المتقدمين كعاد وثمود أو ما بلغ المتقدمون عشر ما آتينا مشركي مكة. والمعشار العشر كالمرباع الربع. والمعنى على الأول: كيف أمن مشركو مكة مع ضعفهم أن يلحقهم بسبب التكذيب ما لحق من قبلهم من الأقوياء؟ وعلى الثاني: كيف أمنوا أن يلحقهم بتكذيب البينات القاطعة المتكاثرة ما لحق من قبلهم بتكذيب ما هو أقل من عشر ما كذب به المشركون؟ قوله: (ولا تكرير في كذب) جواب عما يقال: ما وجه قوله:
فَكَذَّبُوا رُسُلِي بعد قوله: وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وما الفائدة في هذا التكرير؟ أجاب عنه أولا بأن الأول لتكثير الفعل لا للتعدية والثانية للتعدية فلا تكرير، وثانيا بأن الأول مطلق حيث لم يقدر له مفعول به أجرى مجرى اللازم فكأنه قيل: فعلوا التكذيب مطلقا وأقدموا