حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 712
قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أرشدكم وأنصح لكم بخصلة واحدة هي ما دل عليه أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ وهو القيام من مجلس رسول اللّه أو الانتصاب في الأمر خالصا لوجه اللّه معرضا عن المراء والتقليد. (مثنى وفردى) متفرقين اثنين اثنين وواحد واحدا، فإن الازدحام يشوش الخاطر ويخلط القول ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا في أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وما جاء به لتعلموا حقيقته. ومحله الجر على البدل أو البيان أو الرفع أو النصب بإضمار هو أو أعني. ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ فتعلموا ما به جنون يحمله على ذلك، أو استئناف منبه لهم على أن ما عرفوا من رجاحة كمال عقله كاف في ترجيح صدقه، فإنه لا يدعه أن يتصدى لادعاء أمر خطير وخطب عظيم من غير تحقق ووثوق ببرهان فيفتضح على رؤوس الأشهاد ويسلم ويلقي نفسه إلى الهلاك، فكيف وقد انضم إليه معجزات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عليه والثاني مقيد بتعلقه بالمفعول وجعل تكذيبهم الرسل مسببا عن كونهم أهل التكذيب، فعطف عليه عطف المسبب على السبب والمعنى: فعلوا التكذيب فكذبوا الرسل بسببه.
قوله: (وهو القيام من مجلس الخ) يعني أن القيام يحتمل أن يراد به المثول على الرجلين من مجلسه عليه الصلاة والسّلام لأجله تعالى وطلب وجهه ورضاه لا لحمية وعصبية، أو القيام لأمر والتشمير له لأجله تعالى بالجد والاهتمام من قولك: قمت لأمر كذا إذا هيأت نفسك لأجله وتشمرت له.
قوله: (فإن الازدحام) علة لتقييد القيام للّه تعالى بكونهم متفرقين مثنى وفرادى يعني أن الاجتماع مما يشوش الخواطر ويعمي البصائر ويقل معه الإنصاف ويكثر فيه الاعتساف، بخلاف الاثنين فإنهما إذا جرى بينهما أمر يتفكران فيه ويعرض كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه سالكا مسلك العدل والإنصاف متجانبا عن التعصب والاعتساف فيؤدي فكرهما الصحيح إلى الحق الصريح، وكذلك الواحد فإنه يفكر في نفسه طالبا لإصابة الحق باتباع عقله السليم مجانبا عن معارضة المجادلين وإغواء المبطلين فيصيب الحق المؤيد بالبرهان.
وقوله: «ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا» عطف على قوله: «أَنْ تَقُومُوا» ومحل «أَنْ تَقُومُوا» الجر على أنه بدل من «واحدة» على سبيل التفسير والبيان أو عطف بيان لها أو الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي أن تقوموا أو النصب بإضمار أعني «ومثنى وفرادى» حال من فاعل «تَقُومُوا» . قوله: (فتعلموا ما به جنون الخ) يعني أن قوله تعالى: ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ يجوز أن يكون متعلقا بفعل مقدر معطوف على «تَتَفَكَّرُوا» معلق عنه بحرف النفي وهي كلمة «ما» وأن يكون مستأنفا للتنبيه على طريقة النظر المؤدي إلى العلم بصدقه عليه الصلاة والسّلام في دعوى الرسالة فإن أمر الرسالة أمر عظيم تحته ملك الدنيا والآخرة ومن ادّعاها لا بد له أن يدعو الفراعنة الذين كانوا يقتلون من خالفهم في أدنى شيء إلى قبول ما جاء به