حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 713
كثيرة؟ وقيل: «ما» استفهامية والمعنى ثم تتفكروا أي شيء به من آثار الجنون. إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (46) قدامه لأنه مبعوث في نسم الساعة
قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ أي شيء سألتكم من أجر على الرسالة. فَهُوَ لَكُمْ والمراد نفي السؤال فإنه جعل التنبؤ مستلزما لأحد الأمرين: إما الجنون وإما توقع نفع دنيوي عليه لأنه إما أن يكون لغرض أو لغيره. وأيّاما كان يلزم أحدهما تم نفي كلا منهما. وقيل:
«ما» موصولة مراد بها ما سألهم بقوله: ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى، واتخاذ السبيل نفعهم وقرباه قرباهم. إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) مطلع يعلم صدقي وخلوص نيتي. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بإسكان الياء.
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من الدين وترك ما ألفوه منه، ولا شك في أنه أمر عظيم لا يدعيه إلا مؤيد من عند اللّه فاضطلع بصحة أمره بما عنده من حجة وبرهان أو مجنون لا يبالي بافتضاحه على رؤوس الأشهاد وهلاكه في الدنيا ويوم التناد. ومن المعلوم عندهم أنه عليه الصلاة والسّلام أرجح قريش عقلا وأصدقهم قولا وأجمعهم لما يحمد عليه الرجال فكان علمهم هذا كافيا لهم في ترجيح جانب صدقه عليه الصلاة والسّلام. قوله: (وقيل ما استفهامية) لكن ليس المراد حقيقة الاستفهام بل هو بمعنى النفي والإنكار فلهذا لم يرض به، لأن الاستفهام لما كان بمعنى الإنكار الذي مآله النفي كان الأولى أن يحمل كلمة «ما» من أول الأمر على النفي قصرا للمسافة وحملا للكلام على المعنى المتعارف. قوله: (أي شيء سألتكم) يعني أن كلمة «ما» شرطية منصوبة المحل على أنها مفعول «سألتكم» قدم عليه وقوله: «فهو لكم» جوابها.
قال عليه الصلاة والسّلام: «بعثت في نسم الساعة» . أي حين ابتدأت وأقبل أوانها، وأصله من نسم الريح وهو أول هبوبها حين يقبل بلين قبل أن يشتد.
قوله: (وأيّا ما كان يلزم أحدهما) يعني أن التنبيء وهو ادعاء النبوة كاذبا سواء كان لغرض أو لغيره يستلزم أحد الأمرين: أي إما أن يكون لغرض أو لغير غرض وذلك يستلزم أن يكون مجنونا أو متوقعا لنفع دنيوي، ولما نفى كل واحد منهما لزمه أن لا يكون متنبئا بل صادقا في دعواه. قوله: (ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا) بأن يتقرب إليه بالإيمان والطاعة يريد أني أرضى بتقربه إليه واعتد به كما يرضى المثاب بالثواب، فالأجر المذكور في هذه السورة إن حمل على اتخاذ السبيل فمعنى كونه لهم أن يكون نفعه عائدا إليهم وكذا مودة أقربائه عليه الصلاة والسّلام يعود نفعها إليهم من حيث إن قرباه قرباهم. ثم ذكر أن أجره على اللّه تعالى وأنه على كل شيء شهيد فعلم أنه عليه الصلاة والسّلام لا يطلب الأجر على نصحهم وتبليغ الرسالة إليهم إلا منه تعالى.