حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 5
ويرسل وهو من تجوز السبب للمسبب. مِنْ رَحْمَةٍ كنعمة وأمن وصحة وعلم ونبوة.
فَلا مُمْسِكَ لَها يحبسها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ يطلقه. واختلاف الضميرين لأن الموصول الأول مفسر بالرحمة والثاني مطلق يتناولها والغضب، وفي ذلك إشعار بأن رحمته سبقت غضبه. مِنْ بَعْدِهِ من بعد إمساكه. وَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب على ما يشاء ليس لأحد أن ينازعه فيه الْحَكِيمُ (2) لا يفعل إلا بعلم واتقان.
ثم لما بيّن أنه الموجد للملك والملكوت والمتصرف فيهما على الإطلاق أمر الناس بشكر إنعامه فقال:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ احفظوها بمعرفة حقها والاعتراف بها وطاعة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالتقدير. وقيل: علو الهمة. وقيل: التواضع في الشرف. وقيل: القناعة في الفقر. وقيل غير ذلك مما تتناوله كلمة «ما» بعمومها. والحصافة بالحاء المهملة متانة العقل وإحكامه. في الصحاح: الحصيف الرجل المحكم العقل، وحصف بالضم حصافة أي استحكم وإحصاف الأمر إحكامه. قوله: (من تجوز السبب للمسبب) لما كان الفتح والإغلاق من عوارض الباب جعل الفتح مجازا عن الإطلاق والإرسال على طريق إطلاق اسم المسبب وإرادة السبب.
قوله: (من رحمة) تبيين أو حال من «ما» الشرطية ولا يجوز كونه صفة ل «ما» لأن اسم الشرط لا يوصف، فإن «ما» شرطية منصوبة المحل «بيفتح» و «يفتح» مجزوم بها فلذلك قرئ «ما يفتح اللّه» بكسر الحاء لالتقاء الساكنين، ولو كانت موصولة لقرئ بضم الحاء. سمّاها المصنف موصولا حيث قال: لأن الموصول الأول مفسر بالرحمة باعتبار أن الثانية موصولة بالأولى بحرف العطف، فتكون الأولى موصولة بالثانية أيضا لأن الوصلة تكون من الجانبين.
قوله: (واختلاف الضميرين) أي ضمير «لها» و «له» بالتذكير والتأنيث مع كونهما راجعين إلى ما اعتبار الجانب المعني أولا حيث فسر الأول بالرحمة، ولما فسر الثاني اعتبر فيه أصل التذكير وذكر ما يرجع إليه. قوله: (وفي ذلك) أي في تفسير المرسل بالرحمة وعدم بقائه على عمومه ليعم الرحمة والعذاب وإبقاء الممسك على عمومه إشعار بذلك حيث لم يتعرض لإرسال العذاب وتعرض لإمساكه. وفي الآية إشعار بذلك أيضا من حيث إنه قدم التعرض لإرسال الرحمة في الذكر، ومن حيث إنه نفى من يمسك الرحمة التي أرسلها اللّه تعالى نفيا مطلقا بأن قال فَلا مُمْسِكَ لَها ولم يقل: لا ممسك لها غير اللّه، وفي جانب إرسال ما أمسكه اللّه نفى المرسل غيره ولم ينفه نفيا مطلقا بل استثنى فقال: وما يمسك فلا مرسل له من بعده أي غيره على ما وقع في بعض التفاسير. و «ما» في «ما يفتح اللّه» شرطية منصوبة المحل «بيفتح» و «يفتح» مجزوم بها ومثلها و «ما يمسك» و «من رحمة» تبيين أو حال من اسم الشرط وقوله: مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد إمساكه فحذف المضاف لدلالة معناه وذكر ثانيا حملا على لفظه حيث لم يفسر بمؤنث فبقي على أصل التذكير.