حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 15
وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وما يمد في عمر من مصيره إلى الكبر وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأرحام قبل أن يكتسي صورة البشر بل بعده ما دام في البطن لا يعلم أحد حاله كيف، والأم الحاملة لا تعلم منه شيئا فكيف يعلمه غيرها؟ ثم بيّن أن الأشياء كلها مقدرة في كتاب وأن القلم فرغ من كتبه مقاديرها وأحوالها فلا يعتريها التبدل والتغير بالمكر والحيلة. وهذه الآية إشارة إلى دلائل الأنفس بعد الفراغ من ذكر دلائل الآفاق من السموات وما يرسل منها من الرياح، فإن دلائل القدرة الكاملة والعلم المحيط مع كثرتها منحصرة في قسمين: دلائل الآفاق والأنفس كما قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [فصلت: 53] فاللّه تعالى خاطب كفار قريش بأن أصلكم ومبدأ خلقتكم هو التراب بسبب أنكم فروع آدم المخلوق من التراب، فإذا كان التراب مبدأ أصلكم آدم عليه الصلاة والسّلام يكون مبدأ لكم أيضا بواسطته. ويمكن أن يقال: إن أولاد آدم كلهم مخلوق من تراب ومن نطفة والنطفة من غذاء والغذاء ينتهي بالآخرة إلى الماء والتراب فهو من تراب صار نطفة. قوله: (من مصيره إلى الكبر) إشارة إلى أن معنى الآية: وما يعمر أحد وعبر عنه بالمعمر باعتبار أن مصيره إليه ومن شأنه أن يعمر. واحتيج إلى هذا التأويل لأن تعمير المعمر بمعنى ممدود العمر غير مستقيم لأنه تحصيل للحاصل يعني أن المراد من التعمير المد في العمر ومن المعمر من مصيره إلى الكبر ويؤول أمره إليه، إذ لا معنى لتعمير المعمر بمعنى ممدود العمر بالفعل لأنه تحصيل للحاصل. ولما كان المعمر بمعنى ما من شأنه أن يعمر وأنه سمي معمرا باعتبار ما يؤول إليه كان ضمير عمره في قوله: وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ راجعا إلى المعمر بالمعنى المذكور إذ لو كان المراد بالمعمر هو طويل العمر حقيقة وضمير «عمره» راجعا إلى «المعمر» بهذا المعنى للزم أن يجتمع طوله ونقصانه في شخص واحد وهو محال، فمعنى الآية: ولا ينقص من عمر من شأنه أن يعمر بأن يعطى له عمر ناقص من عمر غيره فقد نسب إلى شخص واحد من شأنه أن يصير إلى الكبر أن يكون ممدود العمر بوصوله إلى حد الكبر، وأن يكون منقوص العمر بالنسبة إلى غيره أي إلى من هو أطول عمرا منه ولا استحالة فيه فقوله: «لغيره» متعلق بقوله: «ينقص» ولما كان المتبادر من قوله: ينقص من عمر المعمر لأجل غيره أن يعمر الغير بما نقص من عمر المعمر وهو باطل، فسرّه بقوله بأن يعطى له عمر ناقص من عمر المعمر لغيره. ذكر في ضمير عمره ثلاثة أوجه: الأول أن يرجع إلى ما أريد بالمعمر المذكور أولا، ولما ورد عليه أن الشخص كيف يكون ممدود العمر ومنقوصه معا؟ أجاب بأن مد عمره بالنسبة إلى من هو أقصر عمرا منه ونقص عمره بالنسبة إلى من هو أطول منه عمرا، والمستحيل أن يكون شخص واحد بعينه ممدود العمر ومنقوصه في نفسه لا بالنظر إلى غيره وقوله: «لغيره» متعلق بينقص أي لا ينقص نقصا معتبرا بالنسبة إلى غيره ممن