حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 17
إِلَّا فِي كِتابٍ وهو علم اللّه أو اللوح أو الصحيفة. إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11) إشارة إلى الحفظ أو الزيادة والنقصان.
وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ ضرب مثل للمؤمن والكافر والفرات الذي يكسر العطش والسائغ الذي يسهل انحداره. والأجاج الذي يحرق بملوحته. وقرئ «سيغ» بالتشديد والتخفيف و «ملح» على فعل. وَمِنْ كُلٍ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على هذه القراءة فيجوز أن يكون لازما على معنى: ولا ينقص شيء من عمره، وأن يكون متعديا على معنى: ولا ينقص اللّه شيئا من عمره كما هو معنى قراءة الجمهور. قوله:
(ضرب مثل للمؤمن والكافر) أي بيان مماثلة لهما بالبحر العذب والملح أي تشبيه المؤمن بالبحر العذب من حيث إن المؤمن باق على الفطرة الأصلية والوصف المقصود من حقيقة الإنسان كما أن البحر العذب باق على الحالة الأصلية والوصف المقصود من حقيقة الماء وأن الكافر مغير عن الفطرة الأصلية والكمال المطلوب منه، كما أن البحر الملح كذلك فذكر البحران وأريد المؤمن والكافر ونفى الاستواء لتفاوت ما فيهما من الوصفين كتفاوت ما بين البحرين، وإذا لم يستو المصدق والمكذب في الثبات على أصل الفطرة فلا بد أن يفترقا في المجازاة وإذا لم تقع بينهما التفرقة في الدنيا فمن ضرورية البعث والقيامة. ولما استعير لفظ البحرين للمؤمن والكافر كان قوله تعالى: هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ مستعارا للبقاء على الحالة الأصلية والتغيير عنها أورد تعليلا لانتفاء استواء البحرين مستعارا لانتفاء الوصف المقصود من كل واحد منهما بتشبيه عدم تساوي المؤمن والكافر بعدم تساوي البحرين، وإذا لم تقع بينهما تفرقة في الدنيا فمن ضرورية البعث والنشور تشبيها تمثيليا وهو التشبيه الذي يكون وجه الشبه فيه هيئة منتزعة من أمور متعددة. قوله تعالى: (هذا عَذْبٌ فُراتٌ الخ) في موقع التعليل لانتفاء استواء البحرين وشرابه يجوز أن يكون مبتدأ و «سائغ» خبره والجملة خبر ثان، وأن يكون «سائِغٌ» خبرا و «شَرابُهُ» فاعلا له لاعتماده على المبتدأ يقال: ساغ الشراب يسوغ سوغا أي سهل دخوله في الحلق لعذوبته لا يتنفر منه شاربه بل يجذبه طبعه لملائمته له، وسغته أنا يتعدى ولا يتعدى. والفرات المتناهي في العذوبة.
والأجاج الماء الذي كان في غاية الملوحة والمرارة بحيث يحرق ما أصابه لملوحته من أجت النار تؤج أجيجا أي التهبت، والأجة شدة الحر وتوهجه والشيء الذي له ملوحة في أصل خلقته يقال له ملح ماء كان أو غيره وما كان فيه ملوحة عارضة يقال له: مالح فلا يقال للبحر إذا كان فيه ملوحة: مالح لأنه ليس ماء جاوره ملح بل هو في أصل خلقته كذلك. وقول من قال إن «ملح» على فعل في قراءة من قرأ مقصور من مالح ضعيف، لأن إطلاق المالح على ماء البحر لغة شاذة والأصل أن يقال إن ملحا بالفتح والكسر لغة في ملح بالكسر والسكون.