حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 34
وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ يعني القرآن، و «مِنَ» للتبيين أو الجنس و «مِنَ» للتبعيض. هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أحقه مصدقا لما تقدمه من الكتب السماوية حال مؤكدة، لأن حقيته تستلزم موافقته إياه في العقائد وأصول الأحكام. إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) عالم بالبواطن والظواهر، فلو كان في أحوالك ما ينافي النبوة لم يوح إليك مثل هذا الكتاب المعجز الذي هو عيار على سائر الكتب، وتقديم الخبر للدلالة على أن العمدة في ذلك الأمور الروحانية.
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ حكمنا بتوريثه منك أو نورثه فعبّر عنه بالماضي لتحققه، أو أورثناه من الأمم السالفة. والعطف على «إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ» و «الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ» اعتراض لبيان كيفية التوريث. الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا يعني علماء الأمة من الصحابة ومن بعدهم، أو الأمة بأسرهم فإن اللّه اصطفاهم على سائر الأمم. فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معمول واحد عوامل بل جعله متعلقا بتلك الأفعال على سبيل التنازع وإعمال الأقرب وعلى تقدير أن يكون قوله: إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ خبر «إن» لا بد فيهما من العائد فقدره بقوله:
«لفرطاتهم» والشكر في حق العباد صرف كل واحد من اللسان والجنان والجوارح إلى طاعة المنعم، وفي حقه تعالى المجازاة على طاعة العباد. والشكور من أبنية المبالغة ووجهه أنه تعالى يقبل القليل من طاعة عباده فيضاعف لهم الجزاء. والعيار المعيار الذي يقاس به غيره ويسوى، فإن القرآن لكونه معجزا في نفسه يكون دليلا على التصديق بأنه وحي إلهي فإذا وجد الوحي ونزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم علم إعجازه وصدق ما تقدم من الكتب. وعلم من تقرير المصنف أن قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ استئناف جيء به تعليلا للإيحاء إليه فإن من كان خبيرا بالبواطن بصيرا بالظواهر إذا خص أحدا برسالته والإيحاء إليه يكون ذلك حقا مبنيا على استحقاق الموحى إليه لذلك فهو كقوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام: 124] وقوله بين يديه معناه بين الجهتين المحاذيتين لليدين فهو ظرف للمكان ثم يستعار للزمان المتقدم تشبيها للزمان بالمكان.
قوله: (حكمنا بتوريثه منك أو نورثه) فعلى هذين الوجهين يكون «أورثنا» عطفا على «أوحينا» ويكون المراد من «الذين يتلون كتاب اللّه» مؤمني هذه الأمة ويراد بالكتاب القرآن والمعنى: أوحينا إليك القرآن ثم حكمنا بعدك بتوريثه، أو وضع الماضي موضع المستقبل وعبّر عنه بالماضي لكونه محقق الوقوع. وعلى التقديرين يظهر كون المعطوف متراخيا عن المعطوف عليه مع كونه ماضيا بالنسبة إلى زمان الوحي، فإن حكمه تعالى بتوريث القرآن منه من صفاته الأزلية ومتراخي عن مضمون قوله: «أوحينا إليك» بمعنى استبعاد مضمون الحكم بتوريثه منه عن مضمون وحيه إليه. قال نجم الدين الرضي في شرحه للكفاية: وقد يجيء