حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 56
وقيل: الآيتان في بني مخزوم حلف أبو جهل أن يرضخ رأس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه، فلما رفع يده انثنت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد فرجع إلى قومه فأخبرهم، فقال مخزومي آخر: أنا أقتله بهذا الحجر فذهب فأعماه اللّه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حرم من النظر بالكلية لأن الدلائل والآيات مع كثرتها منحصرة فيهما كما قال تعالى:
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [فصلت: 53] فقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ مع قوله: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ الآية إشارة إلى عدم هدايتهم لآيات اللّه تعالى في الأنفس والآفاق. انتهى كلامه. والظاهر أن المراد بقوله: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ليس جهتي القدام والخلف فقط بل ما يعم الجهات الست. وجهة القدام لما كانت أشرف الجهات وأظهرها وجهة الخلف كانت ضدها خصهما بالذكر، ويدل عليه أن المصنف جعل وجه الشبه كونهم محبوسين في مطمورة الجهل فإن حفرة الجهل وظلمته تحيط بالجاهل من جميع جوانبه لا من أمامه وخلفه فقط. قوله: (أن يرضخ) الرضخ بالضاد المعجمة وبالحاء المهملة والمعجمة لغتان بمعنى وهو كسر الشيء بالحجر يقال: رضخت رأس الحية بالحجارة، فعلى هذا القول تكون الآية الأولى في مخزومي بعينه وهو أبو جهل عليه اللعنة، والآية الثانية في آخر بعينه ويكون ضمير الجمع فيهما على قولهم بنو فلان فعلوا كذا والفاعل واحد منهم. وقال القرطبي: إن المخزومي الثاني هو الوليد بن المغيرة. وكان هناك مخزومي ثالث قال: واللّه لأشدخن أنا رأسه بهذا الحجر، وانطلق فرجع القهقرى ينكص على عقبيه حتى خرّ على قفاه مغشيا عليه فقيل له: ما شأنك؟ قال: رأيت أمرا عظيما، رأيت الرجل فلما دنوت منه فإذا فحل خطر بذنبه ما رأيت قط فحلا أعظم منه حال بيني وبينه، فواللات والعزى لو دنوت منه لأكلني. فأنزل اللّه تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا الآيتين.
ولما أخبر اللّه تعالى عنهم بأنهم لا يؤمنون بإنذار النبي إياهم وعلّله بأنهم ممن علم منهم اختيار الكفر والإصرار عليه بقولهم ذلك، ولم يوفقهم للإيمان والطاعة وجعلهم بمنزلة المغلول المقمح وبمنزلة من أحاط به السد من جوابه، بيّن أن الإنذار لا ينفعهم مع ما فعل اللّه بهم من الغل والسد والإغشاء والإعماء فقال: وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ و «سواء» خبر لما بعده أي إنذارك وعدمه سيان عليهم، وهو اسم بمعنى الاستواء نعت به كما نعت بالمصادر فإن الخبر في المعنى وصف قائم بالمبتدأ وعدل عن المصدر إلى الفعل فقيل:
أنذرتهم ليقرر معنى الاستواء، فينبغي أن تكون الموانع من جانب المشبه به أيضا متحققة في جميع جوانبه. ويظهر بذلك ترتب قوله: فَأَغْشَيْناهُمْ أي جعلنا على أبصارهم غشاوة فَلا يُبْصِرُونَ على جعل السد والمعنى: جعلناهم محاطين بالسد من جميع جوانبهم فأغشيناهم أي جعلنا على أبصارهم غشاوة فلا يبصرون شيئا أصلا. والغشاء كالغطاء وزنا ومعنى وهو ما