حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 114
فإن اجتماع ذلك منكر والضمير «لكل» باعتبار المعنى وتعدية السماع ب «إلى» لتضمنه معنى الإصغاء مبالغة لنفيه وتهويلا لما يمنعهم عنه. ويدل عليه قراءة حمزة والكسائي وحفص بالتشديد من التسمع وهو طلب السماع والملأ الأعلى الملائكة أو أشرافهم. وَيُقْذَفُونَ ويرمون مِنْ كُلِّ جانِبٍ (8) من جوانب السماء إذا قصدوا صعوده دُحُورًا علة أي للدحور وهو الطرد أو مصدر لأنه والقذف متقاربان، أو حال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وكيف تحفظ السماء منهم؟ فأجيب عن الأول بأنهم لا يَسَّمَّعُونَ وعن الثاني بقوله:
وَيُقْذَفُونَ والمعنى أنهم لا يسمعون أي لا يتطلبون السماء إلى الملأ الأعلى وهم مقذوفون بالشهب مدحورون عن ذلك إلا من أمهل حتى خطف خطفة واسترق استراقة، فعندها تعاجله الهلكة باتباع الشهاب الثاقب ولا تمهله. وقوله: ولا يجوز جعله صفة لكل شيطان لأن الشيطان الذي لا يسمع أو لا يستمع لا وجه لحفظ السماء منه، وكذا لا وجه لجعله علة للحفظ بأن يكون المعنى والتقدير: وحفظناها منهم لئلا يسمعوا إلى كلام الملائكة ثم تحذف اللام بناء على أن حذفها من «أن» وأن شائع في كلامهم فبقي أن لا يسمعوا ثم تحذف «أن» ويهدر عملها كما في قول من قال:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي؟
فإن أصله «أن أحضر الوغى» حذف «أن» لدلالة أن أشهد عليه فلو لم يقدر «أن» ليكون أحضر في تقدير المصدر لزم عطف المفرد على الجملة وهو غير مستقيم، وإنما قلنا إنه لا وجه له لأن كل واحد من هذين الحذفين على انفراده وإن كان غير مردود لكن اجتماعهما تعسف يورث تعقيدا لفظيا يجب صون القرآن عن مثله. والملأ الجماعة وحدت صفته وهي الأعلى نظرا إلى إفراد لفظه. وسميت الملائكة ملأ أعلى لأنهم يسكنون السموات والإنس والجن هم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض. قوله: (من جوانب السماء إذا قصدوا صعوده) بيّن أن ليس المراد من يقصد منهم صعود السماء لاستراق السمع من جانب يرمي من جميع جوانب السماء بل المراد يرمي من الجانب الذي يصعد منه أي جانب كان من جوانب السماء. قرأ الجمهور «دحورا» بضم الدال وذكر المصنف لانتصابه وجوها أربعة: مبني الوجه الأول والثاني منها على أن يكون الدحور مصدر قولك: دحره يدحره دحرا ودحورا إذا طرده وأبعده فهو إما مفعول له أي يقذفون بالشهب للدحور والإبعاد، أو مصدر مؤكد ليقذفون لأن القذف والطرد متقاربان في المعنى فكأنه قيل: ويقذفون قذفا ويدحرون دحورا لأنهما لما كانا متقاربين جاز أن يقام أحد الفعلين مقام الفعل الآخر أو المصدر مقام المصدر على التبادل.
ولم يلتفت إلى احتمال كونه مصدرا مؤكدا لفعله المحذوف كما في قوله: وحفظا لعدم الحاجة إلى ارتكاب الحذف مع إمكان انتصابه بالعامل المذكور وكونه حالا مبني على أن