حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 125
قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (28) عن أقوى الوجوه وأيمنها أو عن الدين أو الخير كأنكم تنفعوننا لنفع السانح فتبعناكم وهلكنا مستعار من يمين الإنسان الذي هو أقوى الجانبين وأشرفهما وأنفعهما، ولذلك سمي يمينا وتيمن بالسانح. أو عن القوة والقهر فتقسروننا على الضلال أو عن الخلف فإنهم كانوا يحلفون لهم أنهم على الحق
قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ (30) أجابهم الرؤساء أولا بمنع إضلالهم بأنهم كانوا ضالين في أنفسهم، وثانيا بأنهم ما أجبروهم على الكفر إذ لم يكن لهم عليهم تسلط وإنما جنحوا إليه لأنهم كانوا قوما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وخبره «لكم» و «لا تناصرون» في موضع النصب على أنه حال من الضمير المجرور في «لكم» وعامله معنى الاستقرار في «لكم» . قوله: (عن أقوى الوجوه) ذكر لليمين ثلاثة أوجه: الأول أنه مستعار من يمين الإنسان التي هي أقوى العضوين وأشرفهما وأنفعهما، استعيرت لأقوى الوجوه وأشرفها وأنفعها تشبيها لها بذلك العضو في القوة والشرف والنفع. ومعنى قول الأتباع لرؤسائهم إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ أي عن أقوى الوجوه وأشرفها وهو الدين أو خيرها وأنفعها إنكم تأتوننا مظهرين لنا ذلك وتروننا أن أقوى الوجوه وأنفعها ما تضلوننا به وتدعوننا إليه، وتروننا أن مقصودكم الدعوة إلى أقوى الوجوه. قال الزجاج: «تأتوننا عن اليمين» أي من قبل الدين فتروننا أن الدين الحق ما تفتوننا به. وقيل: معنى قولهم: أتاه عن اليمين أنه أتاه من قبل الخير وناحيته فصده عنه وأضله. فالمعنى: قال الأتباع للقادة أنكم كنتم في الدنيا تأتوننا من قبل الدين والحق والطاعة فتضلوننا عنها وتنفروننا عن أمر الشريعة.
وقول المصنف: «كأنكم تنفعوننا نفع السانح» صريح في أن مراده المعنى الأول. والسانح ما مر من الطير والوحش بين يديك من جهة يسارك، إلى يمينك، والعرب تتيمن به فإن ما مر من جهة يسارك إلى يمينك يعرض عليك يمينه، واليمين من اليمن فلذلك يتيمنون به بخلاف البارح وهو ما مر من يمينك إلى يسارك فإنه يبعد عنك يمينه فيتشاءمون به. والثاني أنه مجاز مرسل من قبيل إطلاق اسم السبب على المسبب، فإن اليد اليمنى سبب للقوة والقهر عبّر بها عنه فيكون قوله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ حالا من فاعل «تأتوننا» أي تأتوننا أقوياء قاهرين فتبعناكم خوفا منكم. وكذا في الوجه الثالث وهو أن يكون اليمين بمعنى القسم والحلف أي تأتوننا مقسمين حالفين فتبعناكم اعتمادا على حلفكم، وحاصله أنكم أضللتمونا فأجابهم الرؤساء بأنه إنما يصح قولكم أضللتمونا أن لو كنتم في أنفسكم على الحق وليس كذلك بل كنتم ضالين في أنفسكم ثم قالوا: ما كنت عليه من الضلال والكفر إنما كان باختياركم ذلك مع تمكنكم من الإيمان وما كان لنا عليكم من سلطان تسلط وجبر يسلب عنكم ذلك التمكن والاختيار بل ضللتم باختياركم. والزمخشري جعل مجموع الكلام جوابا واحدا بأن جعل