حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 179
الألوهية التي كانت لهم لواحد. إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (5) بليغ في العجب فإنه خلاف ما أطبق عليه آباؤنا وما نشاهده من أن الواحد لا يفي علمه وقدرته بالأشياء الكثيرة.
وقرئ مشددا وهو أبلغ ككرام وكرام. وروي أنه لما أسلم عمر رضي اللّه عنه شق ذلك على قريش فأتوا أبا طالب فقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنّا جئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك. فاستحضر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال: هؤلاء قومك يسألونك السؤال فلا تمل كل الميل عليهم. فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «ماذا تسألونني» . قالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك. فقال: «أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم أمعطي أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم» . قالوا: نعم وعشرا فقال: «قولوا لا إله إلا اللّه» . فقاموا وقالوا ذلك.
وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ وانطلق أشراف قريش من مجلس أبي طالب بعد ما بكتهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. أَنِ امْشُوا قائلين بعضهم لبعض امشوا وَاصْبِرُوا واثبتوا عَلى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عُجابٌ و «آلها» مفعول ثان «لجعل» لأنه بمعنى ضير أي صيرهم إلها واحدا في قوله وزعمه لأن ذلك في العقل محال، إذ لا يقدر أحد أن يجعل الجماعة إنسانا واحدا مثلا. قوله:
(بليغ في العجب) فإن العجاب بمعنى العجيب وهو الأمر الذي يتعجب منه، إلا أن العجاب أبلغ منه. والعجاب بالتشديد أبلغ من العجاب بالتخفيف كما أن الكرام مشددا أبلغ من المخفف. قوله: (ولا تمل كل الميل عليهم) أي لا تظلمهم. يقال: مال عليه إذا ظلمه.
قوله: (ويدين لكم) أي يطيعكم الدين الطاعة ودان له أي أطاعه. قوله: (قالوا نعم وعشرا) وعد منهم بإعطاء تلك الكلمة بشرط أن يتركهم ولا يلزمهم العدول عما يدينون ويترك ذكر آلهتهم. وقوله عليه الصلاة والسّلام: «قولوا لا إله إلا اللّه» إلزام بإعطاء ما وعدوه قبل أن يتحقق منه الترك، لأن الأمر والإلزام ينافي الترك فكيف يصح أن يطلب منهم إنجاز ما وعدوه مع الإلزام عليهم؟ والجواب أن مقصوده صلّى اللّه عليه وسلّم عرض الكلمة التي يطلبها منهم بعد تركهم وآلهتهم لا الإلزام في الحال، فإن قيل: ما وجه قوله عليه الصلاة والسّلام: إن أعطيتكم ما سألتم من ترك ذكر آلهتكم مع أن إعطاء هذا المسؤول إياهم يستلزم ترك ذكر كلمة التوحيد لأنها ذكر لآلهتهم بالنفي وهذه الكلمة لا يصح تركها؟ قلنا: لعله عليه الصلاة والسّلام أضمر أن لا يذكر آلهتهم بصريح أسمائهم قوله: (وانطلق أشراف قريش) إشارة إلى أن الملأ الأشراف لا مطلق الجماعة كما في الصحاح. ويقال للأشراف: ملأ لأنهم إذا حضروا مجلسا امتلأت العيون من وجاهتهم والقلوب من مهابتهم. والتبكيت إسكات الخصم بالفصاحة وإلزامه بالحجة. قوله: (قائلين بعضهم لبعض امشوا) بيان لحاصل المعنى لا تقدير لكون «أن» مفسرة لمفعول صريح القول المقدر فإنه خلاف المشهور فلذلك لم يأت بأن فيه. قوله: