حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 232
قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا أمر تهديد فيه إشعار بأن الكفر نوع تشهي لا سند له وإقناط للكافر من التمتع في الآخرة، ولذلك علله بقوله: إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (8) على سبيل الاستئناف للمبالغة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الضلال والإضلال ليس كذلك. وتقرير الجواب أن عاقبة الفعل شبهت بالعلة الغائية للفعل في ترتبها عليه فاستعمل فيها لام العلة بطريقة الاستعارة التبعية كما في قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: 8] . قوله تعالى: (قُلْ) أي قل: يا محمد لهذا الكافر تمتع بكفرك قليلا أي تمتعا قليلا أو زمانا قليلا، ولا يصح كونه أمر إيجاب أو ندب أو تخيير وهو ظاهر فلا محل له سوى التهديد والمبالغة في خذلانه وتخليته وشأنه.
قوله: (فيه إشعار بأن الكفر نوع تشهي) فإنه لما عبّر عن الاشتغال بالكفر بالتمتع وهو الانتفاع بما تشتهيه النفس أشعر ذلك كون الكفر فيه نوع تشهي لابتنائه على الاستمرار على المألوفات وموافقة الأسلاف من الآباء والأمهات. قوله: (وإقناط) عطف على إشعار وهو مستفاد من قوله «قليلا» لأنه لما قلل زمان تمتعه بكفره علم أن المراد بذلك الزمان مدة بقائه في الدنيا والحكم عليه بأنه في دار الأبد من أصحاب النار مبالغة في إقناطه من التمتع، لأنه كيف يتصور التمتع والتلذذ ممن يعذب أبدا في النار؟ ثم إنه تعالى لما شرح صفات المشركين وتمسكهم بغير اللّه تعالى حال الاختيار أردفه بشرح أحوال المحقين فقال: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ الآية أصله «أم من» فأدغمت الميم في الميم فسر القنوت بالقيام بما يجب عليه من وظائف العبادات والإتيان بها مطلقا أي سواء كان ذلك حال الانتصاب على الإقدام أو لا. روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «كل قنوت في القرآن فهو طاعة اللّه عز وجل» و «أم» متصلة داخلة على «من» الموصولة وقوله: هُوَ قانِتٌ صلة من والموصول مع صلته في محل الرفع على الابتداء وخبره محذوف كما حذف معادل «أم» المتصلة والتقدير: الكافر الذي جعل مع اللّه إلها آخر. وقيل له: تمنع بكفرك قليلا خير أم المؤمن القائم بوظائف العبادات خير أي أيهما خير وإن كانت «أم» المنقطعة المتضمنة معنى «بل» والهمزة تكون للإضراب عن الكلام السابق وهو قوله: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ [الزمر: 8] إلى آخر الآية كأنه قيل:
دع ذلك الذم وقل لهم بل أمن هو قانت كضده أو كالإنسان المذبذب الذي قيل له تمتع بكفرك. وإن قرئ بتخفيف الميم تكون همزة الاستفهام داخلة على «من» بمعنى «الذي» ويكون خبره محذوفا تقديره: أمن هو قانت كمن جعل للّه أندادا، أو أمن هو قانت كغيره والاستفهام فيه للإنكار و «آناء الليل» منصوب على الظرفية أي قانت ساعات الليل. وفيه دلالة على أن قيام الليل أفضل من قيام النهار. وقرئ «ساجد» و «قائم» بالرفع فيهما على أن «ساجد» خبر ثان لهو في قوله: هُوَ قانِتٌ و (قائم) عطف عليه والواو المتحللة بينهما مع