حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 233
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ قائم بوظائف الطاعات آناءَ اللَّيْلِ ساعاته و «أم» متصلة بمحذوف تقديره: الكافر خير أم من هو قانت، أو منقطعة والمعنى: بل أمن هو قانت كمن بضده. وقرأ الحجازيان وحمزة بتخفيف الميم بمعنى أمن هو قانت للّه كمن جعل له أندادا. ساجِدًا وَقائِمًا حالان من ضمير قانت. وقرئا بالرفع على الخبر بعد الخبر والواو للجمع بين الصفتين. يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ في موضع الحال أو الاستئناف للتعليل. قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ نفي لاستواء الفريقين باعتبار القوة العلمية بعد نفيه باعتبار القوة العملية على وجه أبلغ لمزيد فضل العلم.
وقيل: تقرير للأول على سبيل التشبيه أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون لا يستوي القانتون والعاصون. إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (9) بأمثال هذه البيانات. وقرئ «يذكر» بالإدغام.
قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ بلزوم طاعته لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ أي للذين أحسنوا بالطاعات في الدنيا مثوبة حسنة في الآخرة.
وقيل: معناه للذين أحسنوا حسنة في الدنيا هي الصحة والعافية. وفي هذه بيان لمكان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عدم تخللها بين الأول والثاني لإفادة الجمع بينهما إذ ليس المقصود مجرد إتيان كل واحد منهما بل إتيانه مقارنا للآخر مجامعا معه لأن إفراد أحدهما عن الآخر لا يعتبر في الشرع، بخلاف إفراد القنوت بمعنى الطاعة فإنه معتبر وإن لم يتحقق في ضمن الصلاة. وقوله تعالى:
يَحْذَرُ الْآخِرَةَ يجوز أن يكون حالا من ضمير قانت أو من ضمير «ساجدا وقائما» وأن يكون مستأنفا جوابا لسؤال مقدر كأنه قيل: ما شأنه يقنت آناء الليل ويتعب نفسه فقيل: يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه. والمعنى: ليس من يفعل ما ذكر كمن لا يفعله. وبعد ما نفى الاستواء بين من يعمل ومن لا يعمل نفى الاستواء بين من يعلم ومن لا يعلم على وجه أبلغ في إفادة النفي المذكور حيث ذكر الفريقين المتقابلين صريحا في النفي الثاني، ونفي الاستواء بينهما بطريق الاستفهام الإنكاري بخلاف الآية الأولى فإنه لم يذكر فيها مقابل الفريق الأول ولم يصرح بنفي المماثلة والمساواة بينهما، بل استفيد بشهادة فحوى الكلام ودلالة المقام على أن المراد ذلك. والفارق في اختيار هذا الطريق الإيماء إلى مزيد فضل العلم. ثم قال:
إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ يعني أن هذا التفاوت الحاصل بين العلماء والجهال إنما يعرفه أولوا الألباب. قيل لبعض العلماء: إنكم تقولون العلم أفضل من المال ونحن نرى العلماء عند أبواب الملوك، ولا نرى الملوك عند أبواب العلماء؟ فأجاب بأن هذا أيضا يدل على فضيله العلم لأن العلماء علموا ما في المال من المنفعة فطلبوه، والجهال من الملوك لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فلهذا لم يطلبوه ولم يراجعوا مواضع تحصيله. ثم إنه تعالى لما نفى المساواة بين من يعلم ومن لا يعلم أمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يخاطب المؤمنين ويعلمهم ما