حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 234
حسنة وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ فمن تعسر عليه التوفر على الإحسان في وطنه فليهاجر إلى حيث يتمكن منه. إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ على مشاق الطاعة من احتمال البلاء ومهاجرة الأوطان لها. أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (10) أجرا لا يهتدى إليه حساب الحساب. وفي الحديث: «أنه تنصب الموازين يوم القيامة لأهل الصلاة والصدقة والحج فيوفون بها أجورهم، ولا تنصب لأهل البلاء بل يصب عليهم الأجر صبا حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل» .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يؤديهم إلى السعادة الأبدية، وهو الاتقاء والتجنب عن المخالفة بملازمة الطاعة فيما أمر ونهى. ثم بيّن لهم ما في الالتقاء من الفوائد فقال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ فقوله: «حسنة» مبتدأ والجملة خبره وصح الابتداء بالنكرة لتقدم الخبر ولأن التنكير في «حسنة» للتعظيم أي حسنة عظيمة لا يصل العقل إلى كنه كمالها والمراد بالإحسان إحسان العمل بالإيمان والطاعة وحذف مفعول «أحسنوا» للتعميم فإن الحسنة المذكورة منوطة بإحسان جميع الأعمال من العقائد والأفعال والأقوال والنيات والتروك وقوله: «في هذه الدنيا» متعلق بقوله: «للذين أحسنوا» . وقيل: إنه متعلق بحسنة فينبغي أن تفسر الحسنة حينئذ بالثلاثة المذكورة في قوله عليه السّلام: «ثلاثة ليس لهم نهاية الأمن والصحة والكفاية» . وأن يكون قوله: «في هذه الدنيا» بيانا لمكان قوله: «حسنة» فكأنه قيل: هذه الحسنة في أي دار هي؟
فأجيب بأنها في الدنيا فهي جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب، ولا يجوز كونه صفة لحسنة لأن الصفة لا تتقدم على الموصوف ولم يرض المصنف بهذا القول لأن الدنيا ليست بدار جزاء ولأن قوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ يريد الحصر فلو حملت الحسنة على حسنة الدنيا لكان المعنى أن حسنة هذه الدنيا لا تحصل إلا للذين أحسنوا وهو باطل، وأما لو حملناها على حسنة الآخرة فقد صح الحصر واتضح المعنى فثبت أن حملها عليها أولى.
قوله: (فمن تعسر عليه التوفر على الاحسان في وطنه فليهاجر الخ) إشارة إلى أن الواو في قوله: وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ [الزمر: 10] استئنافية جيء بها قطعا لعذر من فرط في الإحسان متعللا بتسلط الأعداء على الديار والأوطان، كأنه قيل: اتقوا ربكم لأن للمتقين أجرا عظيما وليس لتارك التقوى عذر البتة إذ غاية أمره أن يتعلل في تركه بتعسره عليه في وطنه وهو لا يصلح عذرا لأنه قد ابتلى به الأنبياء والصالحون فهاجروا من أوطانهم، ونظيره قوله تعالى: قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها [النساء: 97] عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: يعني ارتحلوا من مكة. والآية حث لهم على الهجرة إلى حيث يأمنون فيه من تعرض الأعداء. وقوله: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ