حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 294
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ الكروبيون أعلى طبقات الملائكة وأولهم وجودا، وحملهم إياه وحفيفهم حوله مجاز عن حفظهم وتدبيرهم له، أو كناية عن قربهم من ذي العرش ومكانتهم عنده وتوسطهم في نفاذ أمره. يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ يذكرون اللّه بمجامع الثناء من صفات الجلال والإكرام. وجعل التسبيح أصلا والحمد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التعليل وإيصال الفعل إليه حيث لم يكن مرادا فكان في محل النصب أو كان مرادا فكان في محل الجر، فالمصنف لما علل وجوب كلمة العذاب عليهم بالكفر حيث قال لكفرهم لم يحتج إلى تعليله بقوله إنهم أصحاب النار بحذف لام التعليل بل جعله بدلا. ثم إنه تعالى لما سجل على المجادلين في آيات اللّه بالكفر وبوجوب كلمته تعالى الموجبة للعذاب عليهم لكفرهم بيّن فضيلة من صدق بأن أشرف طبقات المخلوقات وهم حملة العرش والحافون حوله شفعاؤهم عند اللّه تعالى ويطلبون منه تعالى في حقهم أشياء كثيرة ذكرها بقوله: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ [غافر: 7] الآية.
قوله تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ) مبتدأ و «يسبحون» خبره و «من حوله» في محل الرفع بالعطف على قوله: «الذين يحملون» أخبر عن الفريقين بأنهم يسبحون ويفعلون كذا وكذا.
قيل: حملة العرش أربعة من الملائكة: أحدهم على صورة الملائكة، والثاني على صورة ثور، والثالث على صورة بشر، والرابع على صورة أسد. وإذا كان يوم القيامة تكون حملته ثمانية يدل عليه قوله تعالى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ [الحاقة: 17] فقوله تعالى:
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ يحتمل أن يكون المراد بهم الذين يحملونه الآن وهم الأربعة وأن يكون المراد الذين يحملونه يوم القيامة وهم الثمانية. ولا شك أن حملة العرش أشراف الملائكة وأكابرهم ويدل عليه ما روي أنه تعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلا لهم على سائر الملائكة، وأيضا لما كان حملهم إياه وحفيفهم حوله مجازا عن حفظهم وتدبيرهم له وجب لهم أن يكونوا أفضل الملائكة، وذلك لأن نسبة الأرواح إلى الأرواح كنسبة الأجسام إلى الأجسام ولما كان العرش أشرف الموجودات الجسمانية كانت الأرواح المتعلقة بتدبر العرش يجب أن تكون أفضل الأرواح المدبرة للأجساد. روي أن حملة العرش ملائكة أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم. وروي أنه عليه الصلاة والسّلام قال: «لا تتفكروا في عظمة ربكم ولكن تفكروا فيما خلق من الملائكة، فإن خلقا من الملائكة يقال له إسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله وقدماه في الأرض السفلى وقد مرق رأسه من سبع سموات- والمروق الخروج- وإنه ليتضاءل من عظمة اللّه تعالى حتى يصير كأنه الوصع» . وهو بالصاد المهملة طير صغير مثل العصفور. وقيل: خلق اللّه تعالى العرش من