حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 296
واستغفارهم شفاعتهم وحملهم على التوبة وإلهامهم ما يوجب المغفرة. وفيه تنبيه على أن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ربهم بالنظر والاستدلال لا بطريق المعاينة والمشاهدة، كما زعمه المجسمة القائلون بأنه تعالى متمكن على العرش لأنه تعالى لما أخبر عنهم على سبيل المدح والثناء بأنهم يؤمنون بوجوده تعالى بجنانهم وقلوبهم فهم منه أن إيمانهم به إنما هو عن برهان لا عن مشاهدة وعيان وأنهم محجوبون عن إدراكه بأبصارهم، ولو كان الأمر كما زعمه المجسمة لكان حملة العرش والحافون به يشاهدونه ويعاينونه فلا يصح أن يقال إنهم يؤمنون به بالجنان بل لا يجوز أن يوصفوا إلا بالمشاهدة والعيان ولو حمل إيمانهم على التصديق المتفرع على المشاهدة لما كان إيمانهم بوجوده تعالى موجبا للمدح والثناء لأن الإقرار بوجود شيء حاضر مشاهد لا يوجب المدح والثناء. فلما ذكر اللّه تعالى إيمانهم باللّه تعالى على سبيل المدح والثناء والتعظيم دل على أنهم آمنوا به تعالى عن برهان لا أنهم شاهدوه حاضرا جالسا هناك نقله الإمام عن صاحب الكشاف ثم قال: رحم اللّه صاحب الكشاف لو لم يحصل في كتابه إلا هذه النكتة لكفاه فخرا وشرفا. وقال بعد ذلك: قد ثبت أن كمال السعادة منوط بأمرين:
التعظيم لأمر اللّه والشفقة على خلق اللّه ويجب أن يكون الأول مقدما على الثاني فقوله تعالى: يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ مشعر بالتعظيم لأمر اللّه تعالى وقوله:
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا مشعر بالشفقة على خلق اللّه.
واحتج كثير من العلماء بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر لأنها دلت على أن الملائكة لما فرغوا من ذكر اللّه تعالى بالتقديس اشتغلوا بالاستغفار للمؤمنين من غير أن يقدموا الاستغفار لأنفسهم، وهذا يدل على أنهم مستغنون عن الاستغفار لأنفسهم إذ لو كانوا محتاجين إليه لاستغفروا لأنفسهم أولا لقوله عليه الصلاة والسّلام: «ابدأ بنفسك» ولقوله تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [محمد: 19] ولما لم يذكر اللّه تعالى استغفارهم لأنفسهم مع أن خواص البشر فضلا عن عوامهم محتاجون إليه كما قال تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ظهر أن الملك أفضل من البشر. واللّه أعلم. والمختار عندنا أن الخواص من بني آدم وهم المرسلون أفضل من جملة الملائكة وعوام بني آدم سوى الأنبياء أفضل من عوام الملائكة وخواص الملائكة أفضل من عوام بني آدم. ثم إن الآية دلت على حصول الشفاعة من الملائكة للمذنبين من المؤمنين لأن قوله تعالى: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا يدل على أنهم يستغفرون لكل المؤمنين وقد ثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن فوجب دخوله تحت شفاعة الملائكة، واستغفارهم الذي هو طلب المغفرة والمغفرة لا تذكر إلا بإسقاط العذاب عن المؤمن المذنب وقولهم: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا [غافر: 7] معناه واللّه أعلم للذين تابوا من الكفر واتبعوا سبيل الإيمان. قوله: (وفيه تنبيه) فإنه تعالى لما ذكر