حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 299
أَنْفُسَكُمْ أي لمقت اللّه إياكم أكبر من مقتكم أنفسكم الأمارة بالسوء إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (10) ظرف لفعل دل عليه المقت الأول لا له لأنه أخبر عنه ولا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
طلبوا أن يتفضل عليهم بالمثوبات فقالوا: وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ثم طلبوا أن يصونهم في الدنيا عن الأعمال الفاسدة والعقائد الباطلة، ثم عللوا طلب هذه الصيانة بأن الصيانة عنها في الدنيا سبب للرحمة في الآخرة بالوقاية من عذاب الجحيم والفوز بجنات النعيم فقالوا: وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ فجعلوا وقاية السيئات شرطا للفوز بالرحمة التي هي نعمة غير منقطعة بإزاء الأعمال المنقطعة وملك عظيم بمقابلة الأعمال الحقيرة. وقد تم هنا ما يدل على فضل الإيمان وتعظيم أهله، ولما كان المقصود من ذكره تقريع المجادلين في آيات اللّه وتوبيخهم ببيان رذالة الكفر وخذلان أهله عاد إلى شرح أحوالهم وبيّن أنهم في القيامة يعترفون بذنوبهم واستحقاقهم العذاب ويسألون الرجوع إلى الدنيا ليتلافوا ما فرط منهم وَلاتَ حِينَ مَناصٍ فقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ أي تناديهم خزنة جهنم حين رأوا أعمالهم قد أحصاها اللّه ودخلوا النار جزاء لها ومقتوا أنفسهم أشد المقت قائلين لَمَقْتُ اللَّهِ وهو جواب قسم محذوف كأنه قيل: واللّه لمقت اللّه والمقت أشد البغض وهو مستحيل في حقه تعالى فالمراد أبلغ الإنكار والزجر. قوله: (لمقت اللّه إياكم) يعني أن المقت مصدر أضيف إلى فاعله وحذف مفعوله لدلالة مفعول المقت الثاني عليه. قوله تعالى: (إِذْ تُدْعَوْنَ) ظرف لفصل دل عليه المقت الأول أي مقتكم اللّه إذ تدعون الآية احتاج إلى تقدير العامل لأنه إذا لم يقدر فلا يخلو من أن يكون الظرف معمول قوله: «لمقت اللّه» أو معمول «من مقتكم» أو معمول قوله: «تدعون» لا سبيل إلى الأول لأنه يستلزم الفصل بين المصدر ومعموله بالأجنبي وهو الخبر فإن قوله: «لمقت اللّه» مبتدأ ومصدر مضاف إلى فاعله و «أكبر» خبره و «من مقتكم» متعلق بأكبر والمصدر الثاني مضاف إلى فاعله أيضا و «أنفسكم» مفعوله والمصدر إذا أخبر عنه لم يجز أن يتعلق به شيء يكون في صلته لأن الإخبار عنه يؤذن بتمامه وما يتعلق به يؤذن بعدم تمامه بدونه، ولا إلى الثاني لاختلاف الزمانين لأنهم إنما مقتوا أنفسهم في النار لا حين دعوا إلى الإيمان، ولا إلى الثالث لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف. ولما بطلت الأقسام بأسرها تعين أن يكون معمولا لمحذوف، وقول صاحب الكشاف أنه منصوب بالمقت الأول، لعله أراد به أنه دال على ناصبه. عبّر عن المدلول بلفظ الدال أو بنى كلامه على أن الظرف يتسع فيه ما لا يتسع في غيره كما نقل عن ابن الحاجب أنه قال في الأمالي: إذا انتصب «إذ تدعون» بالمقت الأول كان المعنى: لمقت اللّه إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم في الآخرة وليس فيه سوى الفصل بين المصدر ومعموله بالأجنبي وهو أكبر الذي هو الخبر وهو جائز لأن الظرف متسع