حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 300
للثاني لأن مقتهم أنفسهم يوم القيامة حين عاينوا جراء أعمالهم الخبيثة إلا أن يؤول بنحو الصيف ضيعت اللبن أو تعليل للحكم وزمان المقتين واحد.
قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ إماتتين بأن خلقتنا أمواتا أولا ثم صيرتنا أمواتا عند انقضاء آجالنا، فإن الإماتة جعل الشيء عادم الحياة ابتداء أو بتصيير كالتصغير والتكبير، ولذلك قيل: سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل، وإن خص بالتصيير فاختيار للفاعل أحد مقبوليه تصيير وصرف له عن الآخر. وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ الإحياءة الأولى وإحياءة البعث وقيل:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيه. قوله: (إلا أن يؤول بنحو الصيف ضيعت اللبن) استثناء من قوله «ولا للثاني» أي يجوز أن يكون «إذ» ظرفا للمقت الثاني بناء على أن مقتهم أنفسهم وإن كان في الآخرة لا حين ما دعوا إلى الإيمان فكفروا إلا أن سبب ذلك المقت لما كان حاصلا حين ما دعوا صار المقت كأنه واقع حين الدعوة كما في مثل المذكور فإنه يضرب لمن حرم من مراده الآن بسبب صدر عنه فيما مضى فيجعل الحرمان كأنه واقع فيما مضى. يروى أن امرأة كانت تحت رجل موسر فكرهت صحبته لكبر سنه فطلقها فتزوجها شاب فقير فدعتهما الضرورة إلى أن بعثها الشاب إلى زوجها الأول لطلب المعروف والإحسان فما أعطاها شيئا فقالت له: لم صيرتني محرومة؟ فقال لها: الصيف ضيعت اللبن فيضرب لكل من يشابه حاله حال تلك المرأة بكسر تاء الموحدة المخاطبة سواء كان المضروب له مذكرا أو مؤنثا واحدا أو جمعا لأن الأمثال لا تغير ولا يخرج المثل عن كونه من باب الاستعارة.
قوله: (أو تعليل للحكم) عطف على قوله: «ظرف لفعل» والحاصل أن مقتهم أنفسهم إن فسر بأنهم إذا شاهدوا القيامة والجنة والنار مقتوا أنفسهم على إصرارهم على التكذيب بهذه الأشياء في الدنيا يكون زمان أحد المقنين مغايرا لزمان الآخر ويكون الكلام محمولا على التقديم والتأخير، كأنه قيل: واللّه لمقت اللّه إياكم في الدنيا أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم، وإن فسر مقتهم أنفسهم بمقت بعضهم بعضا على معنى أن الأتباع يشتد مقتهم للرؤساء الذين دعوهم إلى الكفر في الدنيا والرؤساء أيضا يشتد مقتهم للأتباع فعبّر عن مقت بعضهم بعضا بأنهم مقتوا أنفسهم كما في قوله تعالى: اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: 66] والمراد قتل بعضكم بعضا، فيكون زمان المقتين واحدا وهو وقت أن عاينوا العذاب يوم القيامة ويكون «إذ تدعون» تعليلا لكون مقت اللّه إياهم أكبر ويكون المعنى: تلقت اللّه إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم بعضا لاتباعكم هوى أنفسكم وإيثاركم الباطل على الحق من حيث إنكم كنتم تدعون إلى ما فيه السعادة الأبدية فتأبونه. ثم إنه تعالى بيّن أن الكفار إذا خوطبوا بهذا الخطاب قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ أي إماتتين وإحياءتين اثنتين على أن اثنتين صفة مصدر محذوف. قال ابن عباس رضي اللّه عنهما وقتادة والضحاك: كانوا أمواتا في